
عبدالله بوقس، كاتب وصحفي مهتم بشؤون جنوب شرق آسيا:
كانت الكاميرا بين يديه أشبه بمصباح يفضح العتمة، لكن الرصاص قرر أن يطفئ الضوء. في خان يونس، سقط أنس الشريف، مراسل الجزيرة، شهيد الكلمة وهو يوثّق المأساة. لكن صورته لم تُدفن معه، بل ارتفعت في ساحة الاستقلال بكوالالمبور، كما ارتفعت في عواصم أخرى، لتصير ذكراه جسراً بين غزة والإنسانية.
لم تكن الوقفات مجرد لحظات عزاء، بل تأكيداً أن الصوت لا يُقتل وأن العدسة لا تُدفن. لكن الحزن تضاعف بعد أيام قليلة حين هزّ قصف مستشفى ناصر المأساة من جديد: ضربة أولى تصيب، وأخرى تستهدف من اندفعوا لإنقاذ الأرواح أو توثيق الحقيقة، لتتحول الكارثة إلى صرخة كونية.
بين غزة والعالم، ارتسمت حقيقة واحدة: أن الذاكرة حين تنهض، تتحول إلى مقاومة أخلاقية تتجاوز حدود الدم والجغرافيا.

حين ينهزم القانون أمام الدم
في مطلع أغسطس، اغتيل الصحفي أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، مع عدد من زملائه خلال قصف استهدف خيمة للصحفيين قرب مستشفى الشفاء في خان يونس، في واحدة من أبشع الجرائم التي استهدفت الإعلاميين بشكل مباشر. وفي 25 أغسطس 2025، تعرّض مستشفى ناصر لغارة جوية مزدوجة: الأولى أصابت الطابق الرابع وقتلت خمسة صحفيين من وكالات دولية بينها رويترز وأسوشيتد برس والجزيرة وقدس، والثانية استهدفت من اندفعوا لإنقاذ الجرحى أو لتوثيق المشهد، فارتفع عدد الضحايا إلى واحد وعشرين، بينهم كوادر طبية ومدنيون.
هذه المأساة كشفت هشاشة القانون الإنساني الدولي، فبالرغم من أن اتفاقيات جنيف نصّت بوضوح على حماية المستشفيات والصحفيين، إلا أن القصف دمّر الأرواح والذاكرة معاً، كاشفاً الفجوة بين النصوص والواقع.
في كوالالمبور، أصدرت وزارة الخارجية الماليزية بياناً وصفت فيه الغارة على مستشفى ناصر بأنها جريمة حرب، ودعت مجلس الأمن إلى تحرك عاجل. ولم تكن ماليزيا وحدها؛ فقد صدرت إدانات مماثلة من حكومات في آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا، شددت جميعها على أن استهداف المستشفيات والصحفيين تجاوز صارخ للقانون الدولي. وعلى المستوى المؤسسي، عبّرت منظمات حقوقية وهيئات إعلامية عن رفضها للجريمة، واعتبرتها جزءاً من سياسة ممنهجة لإسكات الحقيقة. وعلى الصعيد الفردي، تجلّت ردود الفعل في مواقف مهنية لافتة، من أبرزها استقالة المصوّرة الكندية فاليري زينك من وكالة رويترز، احتجاجاً على صمت مؤسستها والمؤسسات الإعلامية الدولية، مؤكدة أن استهداف الصحفيين خيانة للمهنة وللحقيقة. وهكذا، تضافرت مواقف الحكومات والمؤسسات والأفراد لتقول إن ما جرى في ناصر لم يعد شأناً فلسطينياً فحسب، بل جرحاً في الضمير العالمي كله.

الذاكرة تقاوم ماكينة النسيان
لم تكن صورة أنس الشريف مجرد ورقة في يد المتظاهرين، بل حضوراً ماثلاً في ساحة الاستقلال (داتاران ميرديكا) بكوالالمبور، كما في شوارع برلين وواشنطن ودبلن. الشموع المضيئة واللافتات المرتفعة جعلت الحاضرين يشعرون أن العدسة التي سقطت في غزة لم تُدفن، بل نهضت من جديد في القلوب.
هذه الصورة لم تبقَ رمزية فقط، بل انعكست في لغة الأرقام التي جسدت الوعي العام، فقد أعلن المكتب الإعلامي في غزة أن 237 صحفياً قُتلوا منذ أكتوبر 2023 في سياق استهداف ممنهج لحملة الكلمة. أما في ماليزيا، فقد عكست استطلاعات الرأي هذا الوعي الشعبي بوضوح: 64.4% من المواطنين وصفوا الهجوم الإسرائيلي على غزة بأنه “تجاوز كل الحدود”، فيما اعتبر 46.7% أن الدعم الأميركي لإسرائيل هو التهديد الأكبر لاستقرار العلاقات الثنائية.
هذه الأرقام لم تكن مجرد إحصاءات باردة، بل مؤشرات على ضمير شعبي يزن العالم بميزان العدالة لا بموازين المصالح. وما حدث في كوالالمبور لم يكن فعلاً محلياً، بل جزءاً من ذاكرة كونية ترفض أن تُمحى الحقيقة.

التضامن يتخطى حدود المكان
لم يقف التضامن في ماليزيا عند حدود الشموع، بل تمدد إلى مسيرات وتجمعات حاشدة. ففي ساحة الاستقلال بكوالالمبور أيضا، اجتمع أكثر من مئة ألف مشارك في تجمع (صمود نوسانتارا) ، وهو حدث استمر ثلاثة أيام وتوّج بخطاب رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، الذي يُعَد من أبرز الأصوات الآسيوية المدافعة عن فلسطين. وخلال هذا التجمع، أعلن إبراهيم عن إطلاق أسطول (صمود نوسانتارا)، إيذاناً بانضمام وفود من جنوب شرق آسيا إلى الأسطول العالمي للصمود (Global Flotilla of Sumud) الذي يضم نشطاء من أكثر من خمسين دولة يسعون لكسر الحصار البحري عن غزة.
كان خطاب رئيس الوزراء حاسماً، إذ وصف ما يجري في غزة بأنه “استعمار بكل معنى الكلمة”، مذكّراً بتاريخ ماليزيا مع الاستعمار البريطاني حتى استقلالها عام 1957، ومؤكداً أن الذاكرة التاريخية تمنح بلاده الحق الأخلاقي لرفض أي شكل من أشكال الإمبريالية الحديثة. كما أعلن عن تقديم 100 مليون رينجيت (21 مليون دولار أمريكي) كمساعدات إنسانية إضافية، داعياً المواطنين والشركات إلى المشاركة.
لكن كوالالمبور لم تكن وحدها؛ فقد تكررت صور مشابهة في جاكرتا وإسطنبول ومدريد وجوهانسبرغ وساو باولو، حيث خرجت الحشود بمسيرات رُفعت فيها الأعلام الفلسطينية وترددت الهتافات ذاتها التي دوّت في العاصمة الماليزية. وفي برلين وواشنطن ودبلن، بدت الشعارات واحدة وكأن الساحات تتحدث بصوت مشترك. هذه المشاهد مجتمعة بدت كفسيفساء لضمير عالمي يتشكل في العلن. ومن يقف في ساحة الاستقلال بكوالالمبور يشعر وكأنه يقف في أي عاصمة أخرى: النبض واحد، والرسالة واحدة — أن غزة ليست وحدها.

الحقيقة لا تموت
إن الحادثتين اللتين هزّتا خان يونس—اغتيال أنس الشريف قرب مستشفى الشفاء، والقصف المزدوج على مستشفى ناصر—لم تقتلا أجساداً بقدر ما كشفتا عن معركة على الذاكرة. الاحتلال أراد إسكات الكاميرا، لكن ماليزيا رفعتها عالياً في قلب كوالالمبور، كما رفعتها عواصم من لندن إلى أوتاوا ومن جاكرتا إلى الدوحة. والرسالة كانت واضحة: التضامن ليس شعاراً احتفالياً، بل مقاومة أخلاقية تتجاوز حدود الدم والسياسة.
في وقفة أنس كما في إطلاق أسطول صمود نوسانتارا، كان المشهد أكبر من حدود بلد واحد. الجموع التي ملأت الساحات، الهتافات التي تعالت، والأعلام التي رفرفت منحت الإحساس أن كل مدينة في العالم حضرت هناك. لم تكن مجرد فعالية محلية، بل نافذة يرى منها المرء غزة ومعها ضمير الإنسانية جمعاء.
من غزة إلى ماليزيا، ومن شوارع العواصم إلى قاعات الجامعات، ترددت الحقيقة ذاتها: الرصاص قد يُسقط الجسد، لكنه لا يستطيع أن يطفئ الضوء. والذاكرة، حين تجد من يحرسها، تصبح سلاحاً أقوى من النسيان. لقد أثبتت ماليزيا، ومعها أمم كثيرة، أن العدالة، وإن تأخرت، يمكن أن تولد في ضمائر الشعوب، وأن الحقيقة، مهما طال الطريق، لا تموت.
(انتهى)








أضف تعليق