
باندو أوتاما مانغالا، دبلوماسي في وزارة الخارجية الإندونيسية:
مرّ عامان منذ المأساة التي بدأت في 7 أكتوبر 2023، وهي فترة اتسمت بالدمار والنزوح واليأس في غزة. ما بدأ بدورة عنف قصيرة تحوّل لاحقًا إلى مأساة إنسانية طويلة الأمد.
ومع اقتراب الذكرى الثانية، تتجدد الدعوات إلى السلام مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 29 سبتمبر 2025 عن «خطة السلام»، عقب لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويبقى السؤال الملح: هل ستجلب خطة ترامب السلام أخيرًا، أم أنها ستُبقي على حالة الجمود الحالية؟ الجواب يتوقف على عامل حاسم: هل ستكون العدالة في صلب العملية، أم سيتم تهميشها مرة أخرى؟
خطة ترامب للسلام تمثل محاولة طموحة لتحويل الإرادة السياسية إلى خارطة طريق لمرحلة ما بعد الحرب في غزة.
تتضمن الخطة، المؤلفة من 20 بندًا، تمويلًا أمريكيًا كبيرًا لإعادة إعمار غزة، والإفراج عن الرهائن مقابل إطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وتقديم مساعدات إنسانية غير مشروطة لحركة حماس، ومنح العفو أو خيار إعادة التوطين لأعضاء الحركة، إضافة إلى تعهّد إسرائيلي بعدم ضم غزة أو الضفة الغربية.

وقبل إعلان الخطة، دعا ترامب مجموعة مختارة من القادة العرب إلى اجتماع متعدد الأطراف على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، شاركت فيه إندونيسيا وباكستان كالدولتين غير العربيتين الوحيدتين.
وبعد الاجتماع، أعربت الدول العربية والإسلامية عمومًا عن دعمها للخطة، باعتبارها مخرجًا ممكنًا من الحرب، غير أن الحماسة لها ينبغي أن تُقابل بالحذر.
فالشيطان يكمن في التفاصيل. إذ تفتقر الخطة إلى آليات واضحة لإدارة أو مراقبة أموال إعادة الإعمار، كما لا توضح من سيشرف على تبادل الأسرى وبأي شروط سيُعاد توطين أعضاء حماس.
وفوق ذلك، تعتمد الخطة اعتمادًا كبيرًا على الإرادة السياسية الأمريكية وعلى التزام إسرائيل، وهما عاملان لطالما قوضا مبادرات السلام السابقة.
لهذا تكتسب «إعلان نيويورك»، الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 12 سبتمبر 2025، أهمية خاصة. إذ حظي الإعلان بتأييد غالبية واسعة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ودعا إلى اتخاذ خطوات محددة زمنياً ولا رجعة فيها نحو حل الدولتين، مع التأكيد على احترام القانون الدولي، ورفض تهجير الفلسطينيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. والأهم أنه وضع السيادة الفلسطينية في صميم رواية السلام.
بالمقارنة، تبدو خطة ترامب غير متوازنة. فرغم وجود تقاطع في قضايا المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار ووقف الضم، إلا أن إطارها يفتقر إلى آليات المساءلة ويخضع بدرجة كبيرة للمصالح الأمريكية.
كما أن تركيزها على العفو أو إعادة توطين مقاتلي حماس يُخاطر بتحويل الفلسطينيين إلى موضوع للتلاعب الخارجي بدل الاعتراف بهم كفاعلين سياسيين يتمتعون بالحقوق.
واعتمادها على قيادة واشنطن يقوّض الشرعية المتعددة الأطراف التي يوفرها إطار الأمم المتحدة.
ينبغي على إندونيسيا ألا تقبل بهذه الثغرات باعتبارها «تكاليف العمل». بل يمكنها استغلال الخطة لمواءمتها مع مبادئ إعلان نيويورك.
ويعني ذلك الدعوة إلى إشراف الأمم المتحدة على أموال إعادة الإعمار، وضمان أن أي انتشار لقوات حفظ السلام يتم بتفويض دولي، والتأكيد على بقاء السلطة الفلسطينية في موقعها المركزي ضمن الحوكمة. كما يتطلب وضع معايير واضحة لضمان متابعة الالتزامات المتعلقة بالمساعدات والانسحاب والترتيبات الأمنية ومراقبتها وتنفيذها.
ويتعين على إندونيسيا أيضًا أن تواصل الدعوة إلى أن يكون مستقبل غزة ملكًا للفلسطينيين ويُدار بقيادتهم.
فأي آلية انتقالية، بما في ذلك «مجلس السلام» المقترح من ترامب، يجب أن تكون ذات ولاية زمنية محددة وألا تنتقص أبدًا من حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
يمكن للمبادرات الخارجية أن تساند لكنها لا يمكن أن تحل محل القيادة الفلسطينية. فطريق السلام لا يمكن أن يتجاوز من تقع أرضهم وهويتهم ومستقبلهم على المحك.
وإندونيسيا في موقع جيد للقيام بهذا الدور؛ فهي ليست طرفًا مباشرًا في التنافسات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، كما أن سياستها الخارجية تقوم على دعم حق تقرير المصير واحترام القانون الدولي.
وبصفتها قوة إيجابية في الجنوب العالمي، تمتلك إندونيسيا القدرة على أن تكون جسرًا بين الدول العربية والولايات المتحدة والمجتمع الدولي الأوسع.
الخطر أن تنتهي خطة ترامب كما انتهت مبادرات كثيرة قبلها: إعلان طموح دون متابعة حقيقية. لكن هناك أيضًا فرصة؛ فبالجمع بين الخطة وشرعية إعلان نيويورك، يمكن أن تصبح منصة لتحقيق تقدم حقيقي.
ولتحقيق ذلك، يجب أن تظل دول مثل إندونيسيا منخرطة بقوة، وأن تصر على تحويل الكلمات التي قيلت في نيويورك إلى أفعال ملموسة على الأرض.
بالنسبة لترامب، قد تكون هذه المبادرة مرتبطة بالإرث السياسي. أما بالنسبة للقادة العرب، فهي فرصة لإظهار الوحدة. وبالنسبة لإندونيسيا، فهي مسؤولية — إثبات أن بلدًا بعيدًا عن الشرق الأوسط يمكنه أن يلعب دورًا مهمًا في إحلال السلام.
إذا تم تذكّر نيويورك 2025 كلحظة تحوّل، فلن يكون ذلك بسبب إعلان فقط، بل لأن إندونيسيا وغيرها عملوا بلا كلل لتحويل الوعود إلى واقع.
(انتهى)
المصدر: مترجم من وكالة الأنباء الاندونيسية (أنتارا)







أضف تعليق