
عبدالله بوقس، كاتب وصحفي مهتم بشؤون جنوب شرق آسيا:
في زمنٍ تتسابق فيه المنصات الإخبارية على كسب الانتباه، لم يعد الوصول إلى الحقيقة سهلاً أو مباشراً، فقد صارت تتزاحم مع موجات من الأخبار المتلاحقة، والآراء المتدفقة، والمحتوى المتشابه. وأمام هذا المشهد، يطرح سؤال نفسه بإلحاح: كيف يمكن للثقة أن تصمد وسط كل هذا الضجيج؟
الضجيج هنا لا يُقصد به مجرد ارتفاع الأصوات، بل حالة إعلامية معقّدة تنشأ حين تتدفق المعلومات من كل اتجاه قد تكون دون تحقق أو ترتيب، لتشكل بيئة مشوشة تتجاور فيها الشائعات مع البيانات الرسمية، وتتساوى فيها سرعة الانتشار مع معيار الصدق. وهنا يشير تقرير معهد رويترز لدراسات الصحافة، إلى تراجع الثقة بوسائل الإعلام في أغلب دول العالم، حيث لا تتجاوز نسبة من يثقون بالأخبار 40٪ في المتوسط. هذه المعطيات تكشف أن الضجيج لم يعد مجرد عرض جانبي، بل أصبح واقعًا يؤثر في طريقة تلقينا للمعلومة وفهمنا لها.

ومع أن هذا الضجيج قد يبدو طاغيًا، إلا أن بعض القيم المهنية لا تزال قادرة على مقاومته إن التزمت بها المؤسسات الإعلامية بصرامة. وفي هذا السياق، يصبح مفهوم الثقة أكثر تعقيدًا من مجرد “تصديق الخبر”. فهي ليست مرادفة للصدق المطلق، ولا مجرد انطباع لحظي.
الثقة هي علاقة تراكمية تقوم على الشفافية، والانضباط التحريري، والاتساق في نقل المعلومة. فقد يكون الخبر دقيقًا، لكن الجمهور لا يثق بالجهة التي تنقله بسبب سجلّها المهني أو أسلوبها في التغطية. لذا، الثقة لا تُبنى على خبر واحد، بل على سلوك مؤسسي متواصل يقوم على الصدق المهني، والمساءلة، والاستعداد للاعتراف بالأخطاء وتصحيحها.
ومن هنا يبرز دور المصادر كجسر يربط بين المؤسسة والمتلقي. فالإشارة الدقيقة للمصادر ليست إجراءً شكليًا، بل هي صمام الأمان أمام سيل التضليل. والإعلام الذي يوضح مصادره، ويفصل بين ما شاهده وما نقله عن جهات أخرى، يتيح للجمهور أن يقيّم بنفسه، ويحوّل الثقة من علاقة عاطفية إلى علاقة معرفية. أما الوسائل التي تكتفي بعبارات فضفاضة أو تتجاهل ذكر المصدر، فإنها تُسهم من حيث لا تدري في زيادة الضجيج الذي تزعم مقاومته.
وهنا، في زمن الضجيج المتزايد، تغدو الثقة أعز ما يُطلب في العمل الإعلامي. فليست كل معلومة حقيقة، ولا كل صوت صادق، لكن الصحافة الجديرة بالثقة هي من تُنصت قبل أن تُذيع، وتتحقق قبل أن تُخبر، وتصمت حين يكون الصمت أصدق من التسرّع.







أضف تعليق