استعادة غير متكافئة للسياحة في جنوب شرق آسيا: شرح الظاهرة

جيمس غيلد، خبير متمرّس في شؤون التجارة والتمويل والتنمية الاقتصادية في منطقة جنوب شرق آسيا:
قبل أن تؤدي جائحة كوفيد-19 إلى توقف السفر الدولي، كانت السياحة في جميع أنحاء جنوب شرق آسيا مزدهرة بشكل غير مسبوق. ففي عام 2019، استقبلت الأسواق الستة الكبرى (سنغافورة، الفلبين، فيتنام، تايلند، إندونيسيا، وماليزيا) أكثر من 127 مليون سائح أجنبي، وكانت تايلند في الصدارة بفارق كبير، إذ استقبلت ما يقرب من 40 مليون سائح.

بعد عامين، وفي خضم الإغلاقات العالمية، تراجع هذا الرقم إلى 2,6 مليون فقط. ومنذ ذلك الحين، تسير عملية التعافي السياحي في المنطقة بوتيرة بطيئة، ولم تعد بعد إلى مستويات ما قبل الجائحة. ففي عام 2024، بلغ مجموع الزوار في الأسواق الستة 114 مليون سائح، أي ما يعادل 89 في المئة من مستويات عام 2019، مع مؤشرات على تباطؤ التعافي، لا سيما في بعض الأسواق.

كانت الفلبين تواجه صعوبات مستمرة في جذب الزوار منذ الجائحة. فحتى في عام 2019، عندما كانت المنطقة بأكملها تشهد ازدهاراً سياحياً، لم تستقبل البلاد سوى 8 ملايين زائر تقريباً. وفي العام الماضي، بلغ عدد الوافدين 5,4 ملايين فقط، أي ما يعادل 66 في المئة من مستوى ما قبل الجائحة.

تايلند ما زالت تتصدر المنطقة بـ 35,5 مليون سائح في عام 2024، لكن الصورة ليست وردية تماماً. فبحلول يونيو 2025، كان عدد الوافدين أقل بنحو 5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ما يعني أنه ما لم تشهد البلاد طفرة كبيرة في نهاية العام، فهي في طريقها لاستقبال عدد أقل من السياح مقارنة بـ 2024، وقد يستغرق تجاوز عتبة الأربعين مليوناً فترة أطول مما كان متوقعاً.

في المقابل، تشهد أسواق أخرى تعافياً أكثر استقراراً، وإن كانت دون مستويات ما قبل الجائحة. سنغافورة تسير على خطى تحسين طفيف لأرقام عام 2024، التي بلغت 16,5 مليون سائح. أما إندونيسيا، فقد استقبلت 13,9 مليون زائر في 2024، وبحلول يونيو 2025 كانت الزيادة 9 في المئة مقارنة بالعام الماضي، مما يضعها على مسار تجاوز 14 مليون سائح هذا العام — وهو نفس الرقم الذي حققته في 2017 قبل ثماني سنوات.

شاطئ شيراتينج في ولاية باهانغ المالميزية. (صورة: ترست-تايمز)

ماليزيا تقترب من مستويات ما قبل الجائحة، إذ استقبلت 25 مليون سائح في عام 2024 مقابل 26 مليوناً في 2019. وإذا أضفنا الزوار اليوميين (الذين لا يبيتون)، يرتفع الرقم إلى 38 مليوناً، متجاوزةً تايلند من حيث الحجم الإجمالي للزوار. غير أن هذا الرقم يعكس حالة خاصة، إذ يعبر العديد من السنغافوريين الحدود يومياً لأسباب العمل أو الرحلات القصيرة، وهو ما لا يعكس بدقة تدفقات السياحة الدولية النموذجية.

أما فيتنام، فتقدم قصة لافتة. قبل الجائحة، استقبلت 18 مليون سائح، وفي 2024 بلغ العدد 17,5 مليوناً، أي 98 في المئة من المستوى السابق. وبحلول يونيو 2025، تجاوز عدد الزوار 10 ملايين، ما يضع البلاد على مسار تحطيم أرقام 2019. واللافت أن هذا النمو مدفوع أساساً من سوقين: كوريا الجنوبية والصين، اللتين شكلتا معاً 8,3 ملايين زائر، أي ما يقارب نصف إجمالي الوافدين العام الماضي.

من الواضح أن وتيرة التعافي ودوافعه تختلف من سوق إلى أخرى داخل المنطقة. فبعض الأسواق تشهد ارتداداً قوياً، وأخرى بطيئة، ويعقّد فهم هذه الفوارق اختلاف الدور الاقتصادي للسياحة في كل دولة.

في الاقتصادات المعتمدة على الصادرات، مثل تايلند وفيتنام، يعد تعافي السياحة (بوصفها تصديراً للخدمات) محورياً للاستقرار الاقتصادي. ورغم الأرقام الكبيرة في تايلند (35 مليوناً تقريباً)، فإن عدم بلوغ مستويات 2019 وتراجع النمو يثير القلق في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة. في المقابل، تقترب فيتنام بسرعة من أن تصبح القوة التصديرية التالية في المنطقة، ليس فقط في السلع، بل في الخدمات أيضاً.

أما في حالة إندونيسيا، فقد يكون التعافي البطيء إيجابياً. فالسياحة الوافدة تتركز بشدة في بالي، وترتبط بمشكلات مثل استنزاف الموارد، التطور المفرط، والتلوث. ويمنح التعافي التدريجي وقتاً لإعادة تهيئة القطاع لمواجهة ضغوط الزوار المتزايدة إذا استُغل بحكمة.

في المقابل، فإن النمو السريع في فيتنام، رغم فائدته لنموذج التنمية المعتمد على التصدير، سيضع ضغوطاً كبيرة على الشركات والهيئات التنظيمية والمخططين لمواكبة هذا الزخم.

(انتهى)

المصدر: مترجم من مجلة ذي ديبلومات

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.