كوالا كانسار 14 أكتوبر: تستضيف جامعة السلطان أزلن شاه في مدينة كوالا كانسار الماليزية، اليوم الثلاثاء، أعمال المؤتمر الدولي الثاني لتعليم اللغة العربية وآدابها، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء من دول جنوب شرق آسيا والعالم، تحت شعار “آفاق تعليم اللغة العربية وآدابها في جنوب شرق آسيا: تجارب محلية ونماذج ملهمة”، حيث تحوّل المؤتمر إلى منصة حوارية واسعة حول مكانة اللغة العربية في البيئات الآسيوية الناطقة بغيرها وسبل تطوير تعليمها في ظل تحولات الهوية اللغوية والثقافية المتسارعة.
ويستمر المؤتمر يومين (14 – 15 أكتوبر) متناولًا موضوعات متنوّعة تشمل تعليم العربية في البيئات المتعددة اللغات، والانغماس اللغوي، والذكاء الاصطناعي، و قضايا الهوية، وتطوير المناهج، ودور الترجمة وصناعة المحتوى العربي في الفضاء الرقمي.
وتعود جذور حضور اللغة العربية في جنوب وجنوب شرق آسيا إلى القرون الأولى لانتشار الإسلام، إذ لعبت دورًا محوريًا في الدعوة والتواصل العلمي والثقافي والتجاري، وارتبطت بالمجتمعات المسلمة بوصفها جزءًا من نسيجها الديني والحضاري. ومع تنامي حضور اللغات الأجنبية في الحياة العامة وتعدد أنماط التعليم، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في أساليب تعليم العربية لتوسيع نطاق استخدامها وتكييفها مع السياقات المعاصرة.

وقال مفتي ولاية فيرق الماليزية وان زهيدي وان تيه في كلمته الرئيسية بالمؤتمر، إن اللغة العربية “ليست وافدة على هذه المنطقة بل دخلت إلى جنوب وجنوب شرق آسيا منذ القرون الأولى لظهور الإسلام، فكانت وسيلة فعالة للدعوة وجسرًا لنقل العلوم والمعارف وأداة للتواصل بين العلماء والطلاب في مختلف أقاليم العالم الإسلامي”.
وأضاف: “ومنذ ذلك الحين توطدت علاقة المجتمعات المسلمة التي تعد بالملايين بهذه اللغة حتى أصبحت جزءًا أصيلاً من نسيجها الثقافي والديني والحضاري تؤدي دورًا محوريا في صياغة الهوية الجامعة وفي ترسيخ الروابط الروحية والمعرفية عبر العصور”.
وأشار إلى أن الحكومة الماليزية، بتوجيه من سلاطين البلاد والمجالس الإسلامية في مختلف الولايات، تولي اهتمامًا خاصًا بتعليم اللغة العربية لتعزيز الهوية الإسلامية والوطنية عبر دعم المدارس الدينية والمعاهد العربية والجامعات التي تدرّس العربية وتشجيع البرامج البحثية والمشروعات الأكاديمية الرامية إلى تطوير مناهج تعليمها وتوسيع آفاق انتشارها.

فيما أوضح مدير جامعة السلطان أزلن شاه الأستاذ الدكتور وان صبري وان يوسف في كلمته الافتتاحية أن تنظيم هذا المؤتمر يعكس طبيعة التعددية اللغوية والثقافية التي تتميز بها منظومة التعليم الماليزية، ويؤكد حرص الجامعات الماليزية على ترسيخ اللغة العربية ضمن هذه المنظومة التعليمية “بما يتجاوز الإطار الديني إلى فضاء ثقافي وحضاري ومعرفي أوسع”.
وأضاف: “عراقة تعليم اللغة العربية في المنطقة لم تترجم بعد إلى مخرجات نوعية متميزة نظرًا لتشتت الجهود وضعف التنسيق المؤسسي والحاجة إلى تطوير المعلمين والمناهج وفق معايير حديثة، مما يتطلب تضافرًا بين الجهات التعليمية والبحثية لوضع رؤية أكثر فاعلية للمرحلة المقبلة”.

من جهته، أوضح رئيس مركز اللغة العربية للناطقين بغيرها في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) الأستاذ الدكتور مجدي إبراهيم، في كلمته أمام المؤتمر، أن هناك “حاجة ملحة لإصلاح واقع تعليم العربية في المنطقة”، مشيرًا إلى أن “حضور اللغة لا يزال محدودًا في الحياة العامة للمجتمعات غير الناطقة بها وينحصر إلى حد كبير في المجال الديني رغم توفر المدارس والمعاهد المتخصصة”.
وشدد على “ضرورة تبني رؤى واستراتيجيات جديدة تقوم على الاستدامة والانفتاح والتجديد والاستفادة من التحولات العالمية والابتكارات التكنولوجية في تطوير المناهج”، داعيًا إلى الانتقال من النماذج التقليدية إلى ما سماه “مدرسة الغد” التي توظف التعليم الافتراضي والأدوات الرقمية لتنمية الكفايات اللغوية.
وأوضح أن منظمة الإيسيسكو، استنادًا إلى خبرتها الواسعة، وضعت مواردها التربوية الحديثة في متناول الدول الأعضاء غير الناطقة بالعربية والمؤسسات الإسلامية خارج العالم العربي لدعم تطوير المناهج وتسريع التحول الرقمي والانفتاح باللغة على جميع الفئات بما يعزز جسور الحوار والتفاهم بين الشعوب.
وختم إبراهيم بالتأكيد على أن “تمكين اللغة العربية داخل العالم الإسلامي وخارجه مسؤولية جماعية تتطلب مضاعفة الجهود وتعزيز التعاون المؤسسي لضمان نهضة لغوية مستدامة”.

من جهته، قال مستشار الشؤون التعليمية للندوة العالمية للشباب الإسلامي الدكتور عبدالله القرني في كلمته إن الندوة تعمل على بلورة دور جديد في دعم اللغة العربية في ظل صعود اللغات الأجنبية، من خلال تبني مبادرات نوعية تعزز مكانتها وتوسع نطاق انتشارها في البيئات التعليمية غير العربية.
وأضاف أن واقع إعداد المعلمين والمناهج في المنطقة يواجه تحديات بنيوية، أبرزها ضعف التدريب العملي وقلة الموارد التربوية الحديثة وتشتت الجهود بين المؤسسات، مما يستدعي وضع برامج تأهيلية ورؤى متكاملة للنهوض بالعملية التعليمية وتطوير كفاءات المعلمين بما يواكب المتغيرات المعاصرة.
وأكد أن “التاريخ يُظهر كيف استطاعت بعض الأمم فرض لغاتها عالمياً رغم محدودية مقوماتها”، مستشهدًا بإحياء اللغة العبرية عبر القوانين والاستخدام، في حين تمتلك الأمة الإسلامية لغة الوحي التي لا تُمحى، داعيًا إلى “تجديد السياسات التعليمية واللغوية وإزالة الغبار عن المناهج والكتب والخطط الحالية”.
كما دعا إلى تعميق الحوار بين رابطة الجامعات الإسلامية في شرق آسيا والمؤسسات التعليمية التابعة لها من جهة، والمؤسسات والمعاهد والشركات المتخصصة في تدريس العربية وإنتاج المقررات والمنصات التعليمية في العالم العربي من جهة أخرى، “لإيجاد بيئات لغوية مناسبة والانطلاق سوياً لملء الفضاء الواسع باللغة العربية في الدول الإسلامية الناطقة بغيرها ومناطق الأقليات”.

وفي سياق متصل، أوضح مدير المؤتمر ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة السلطان أزلن شاه الأستاذ فواز إيباو، أن رئاسة ماليزيا لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) هذا العام تعكس مكانة البلاد المتقدمة في تعزيز الحوار الحضاري والثقافي، ودعم اللغة العربية بوصفها جسرًا للتواصل بين شعوب المنطقة.
وأشار إلى أن اختيار شعار المؤتمر يعبر عن التقدير العميق للتجارب الآسيوية في تعليم اللغة العربية، واستشراف آفاق جديدة للتطوير والتعاون الإقليمي، بما يسهم في ترسيخ حضور العربية في البيئة الأكاديمية والتعليمية في جنوب شرق آسيا

ويعد المؤتمر الدولي الثاني لتعليم اللغة العربية وآدابها الذي تنظمه جامعة (السلطان أزلن شاه) بالتعاون مع الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا وجامعة (كلنتن) الماليزية وجامعة الأمير (سونكلا) التايلندية وبرعاية شرفية من (الإيسيسكو) ورعاية رسمية من الندوة العالمية للشباب الإسلامي منصة أكاديمية سنوية تجمع خبراء من العالم لمناقشة واقع تعليم اللغة العربية وآفاق تطويره في جنوب شرق آسيا.
وحسب جدول أعمال المؤتمر ستناقش في الجلسة الرئيسة قضية جهود المرأة في تعليم اللغة العربية وآدابها بينما تتناول الجلسة الأولى موضوع تعليم اللغة العربية ونشرها من خلال عرض تجارب ورؤى مؤسسية وستخصص الجلسة الثانية لمناقشة واقع وآفاق تعليم اللغة العربية وآدابها في ماليزيا في حين ستتناول الجلسة الثالثة موضوع تعليم اللغة العربية وآدابها في جنوب شرق آسيا عبر طرح تجارب محلية ملهمة.
وستعقد ضمن أعمال المؤتمر جلسات متوازية على مدى يومين تتناول موضوعات متنوعة تتعلق بتعليم اللغة العربية وتطوير مناهجها وأساليب تدريسها في البيئات غير العربية إضافة إلى مناقشات أكاديمية لكتب متخصصة وتجارب تعليم العربية لأغراض خاصة ودراسات حول الذكاء الاصطناعي وتطوير التطبيقات التعليمية وبرامج الانغماس اللغوي ومعوقات تعليم العربية في الإقليم ودور الترجمة وصناعة المحتوى العربي في الفضاء الرقمي إلى جانب قضايا الهوية اللغوية والبلاغة وتعليم القرآن بوصفه مدخلًا للغة وتوظيف المعاجم الشعرية والترجمة الآلية والتعاون الإقليمي وتدريب المعلمين وفق المعايير الدولية.
كما تتضمن أعمال المؤتمر اجتماع الطاولة المستديرة الذي يضم ممثلي المؤسسات والشركات المنتجة لمواد تعليم اللغة العربية والداعمة لنشرها إلى جانب الخبراء من المتحدثين والباحثين المشاركين في المؤتمر وممثلي الجامعات والمدارس الدينية في ولاية (فيرق) لبحث سبل التعاون وتبادل الخبرات وتعزيز الشراكات التعليمية في مجال تعليم اللغة العربية داخل الإقليم وخارجه.








أضف تعليق