لماذا الفلبين وإندونيسيا صديقتان مقرّبتان في آسيان؟

وينونا بيرل، كاتبة فلبينية شغوفة بالثقافة والفن والحياة:

لو كانت دول آسيان طلابًا في صف واحد، لكانت الفلبين وإندونيسيا زميلتين فوضويتين تتبادلان الواجبات المنزلية، وتسخران من المعلّم معًا، وتشتكيان من نفس المشكلات الفوضوية. كلتاهما دولتان جزيريتان ضخمتان تحاولان التوفيق بين العادات القديمة، والاتجاهات الحديثة، والسياسة التي لا تتوقف عن الصخب. تشعر الفلبين أن إندونيسيا قريبة إلى القلب، ليس فقط لأنها جارة جغرافية، بل لأن التاريخ والثقافة جمعتهما منذ قرون.

استعراض القوة في عالم الجزر

تضم الفلبين 7,641 جزيرة، بينما تمتلك إندونيسيا أكثر من 17 ألف جزيرة. كلتاهما “ملكتان أرخبيل”، تتباهيان بشواطئ لا تنتهي مثل بالاوان وبوراكاي أو بالي وجزر جيلي، وبمواقع غوص مثل أنيلاو أو راجا أمبات، ومدن صيد مثل سورسوجون أو لومبوك. لكن الواقع ليس جنة خالصة.
الازدحام في مانيلا أو جاكرتا، وضعف الإنترنت في الجزر النائية، وتعقيدات الإدارة ليست سوى البداية. حتى جزيرتا سيارغاو وبالي أصبحتا مخصخصتين لصالح المنتجعات الفاخرة والمقاهي الباذخة، بينما يُدفع السكان الأصليون إلى الهامش. تحوّل الجمال الطبيعي إلى “ملعب للأثرياء” أكثر من كونه بيتًا محليًا.

الحياة على “حلقة النار

زلازل، براكين، تسونامي — اختَر ما تشاء. مايون وتاال في الفلبين، ميرابي وكراكاتوا في إندونيسيا، كلها تشهد أن العيش على الحزام الناري للمحيط الهادئ ليس بالأمر السهل.
ثوران تاال عام 2020؟ وميرابي عام 2010؟ آلاف المهجّرين، ومدن مدمّرة، وعناوين إخبارية تصرخ. الفلبينيون والإندونيسيون يعرفون هذا الجنون جيدًا ويعيشون معه، حتى وإن لم يوزّع أحد جوائز للنجاة.

صورة توثق لحظة ثوران بركان ضمن الحزام الناري، مشهد يبرز واقع الكوارث المشتركة بين الفلبين وإندونيسيا.

لغات متقاربة

تاغالوغ و”باهاسا إندونيسيا” أشبه بلغتين شقيقتين. كلمات مثل “أنك” (ابن)، و”ماتا” (عين)، و”جالان” (طريق)، و”بوتي” (أبيض) تتشابه إلى حد لافت. تجوّل في يوجياكارتا وستسمع كلمات مألوفة. فبفضل قرون من التجارة والهجرة، تكشف اللغتان أن الصلة بين الشعبين أعمق مما يظنان.

روابط أقدم من الاستعمار

قبل أن تطأ إسبانيا أرض الفلبين، كانت العلاقات قائمة مع إندونيسيا. التجارة والتنقل والزواج بين الجزر كانت أمورًا معتادة. والمعلومة اللافتة أن “سري لوماي”، مؤسس مملكة سيبو القديمة، جاء من سومطرة. من ميندورو إلى جاوة، ومن مينداناو إلى سولاويزي، تفاعلت المجتمعات قرونًا دون حاجة إلى مستعمرين ليعرّفوا أحدهما بالآخر.

طعام بطعم الوطن

الأرز هو الحياة. الفلبينيون يحبونه، والإندونيسيون يعشقونه، وانتهى الحديث. ناسي غورينغ، سينانغاغ، ساتاي، شواء… أطعمة مدخّنة، متبّلة، دسمة. من يتجوّل في جاكرتا ويتذوّق “باكسو” أو “ساتي أيام” سيشعر أنه يأكل في شارع فلبيني؛ فالثقافة الغذائية متقاربة. “سامبال” الإندونيسي هو نسخة متطورة من “ساوساوان” الفلبيني. الأكل في إندونيسيا لا يبدو غريبًا، بل كأنك تزور عائلة تطهو الأرز بطريقة مختلفة.

إيمان مختلف، وتديّن متشابه

الفلبين: أكبر بلد كاثوليكي في آسيا.
إندونيسيا: أكبر بلد مسلم في العالم.
يبدو الاختلاف كبيرًا، لكن التعمق يكشف التشابه في الروح. من مهرجان “سينولوغ” في سيبو و”بايهياس” في لوكبان، إلى أسواق رمضان في جاكرتا واحتفالات “إيدول فتري” في باندونغ، الإيمان يشكّل الشوارع والطقوس والمجتمع. قد تختلف المعتقدات، لكن القلب واحد.

السياسة والاحتجاجات والإحباط المشترك

كلا البلدين غارق في الدراما السياسية. في إندونيسيا، تحولت التظاهرات ضد القوانين المثيرة للجدل إلى فوضى: شوارع محروقة، قصور سياسيين منهوبة، مشهد كأنه من “ألعاب الجوع”.
وفي الفلبين، لا يقل المشهد سخونة: فضح للفساد، وملاحقة أبناء المسؤولين الأثرياء (ما يُعرف بـ“نيبو بيبيز”) مثل كلودين كو وجامي كروز وكريستين ليم والأخوات إنسيسو وغيرهن، إلى جانب فضائح مشاريع البنية التحتية الوهمية.
الفوضى والغضب متشابهان، وكلا الشعبين يعرف كيف يرفع صوته عاليًا. نفس الطاقة، نفس الكراهية تجاه عقود من الفساد. الفلبين وإندونيسيا حقًا “صديقتان غاضبتان” تسعيان للتحرر وتحقيق ديمقراطية حقيقية.

ثقافة صاخبة وحيوية

إن كان هناك ما يجمع الفلبينيين والإندونيسيين، فهو الصوت العالي والحياة المفعمة بالحركة. من حفلات “دانغدوت” على شاطئ أنكول في جاكرتا إلى ليالي الكاريوكي في كواباو مانيلا، ومن المسلسلات الفلبينية مثل “أنغ بروبينسيانو” إلى الإندونيسية “إيكاتان شينتا”، كلا الشعبين يعشق الدراما والموسيقى والاحتفال.
وحين تزور فرق عالمية مثل “بي تي أس” أو “بلاكبينك” المنطقة، تجد مدرج مول آسيا في مانيلا واستاد “غيلورا بونغ كارنوا” في جاكرتا يعجّان بالجماهير الراقصة الصارخة التي تخيّم لأيام في الخارج.

في الجوهر، الفلبين وإندونيسيا جارتان تفهم إحداهما الأخرى بعمق. الكلمات المشتركة، التاريخ المتداخل، الكوارث الطبيعية، السياسة الفوضوية، والثقافة الحيوية كلها تعكس روحًا واحدة. إنهما كمرآتين تعكسان الصورة ذاتها بزاوية مختلفة: نفس الطاقة، نفس الانتصارات، ونفس المعارك. صلتهما عميقة — وبصراحة، إنها صداقة أيقونية بحق.

(انتهى)

المصدر: مترجم من موقع تريبزيلا الفلبين

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.