
أ.د. هاني بن عبـدالله الملحـم، أستاذ الفلسفة ومقارنة الأديان بكلية الآداب في جامعة الملك فيصل، السعودية:
المتأمل في التاريخ القديم …. وفي الحضارة الإسلامية يلاحظ التعانق بين الدين والفن وكلاهما موردان ساحران يتنافسان على القلب ….
فالدين بكتابه وصوره وآياته وفرائد حكمه وجميل خطابه وأتساع ينابيع أخلاقه ونسائم روحانيته وأحواله مرتكز فطري يداعب القلب ويؤثر في الوجدان فيبعث في النفس الإنسانية السعادة والسلوك الحسن
والفن بروائعه وحكاياته وبزخارفه وكلماته وصوره ونغماته وقيمه وجماله هو مورد يقيم في كل نفس سوية معبدا في القلب ، وأنسا للروح كيف لا والله جميل يحب الجمال …. فتجعل صاحبها من غير شعور ولا تفكير يردد ” يا الله ” … ولعل بعض الذين أصابتهم الغيرة من أهل الدين فرموا الفن والفنانين بالفسق والكفر
وفي المقابل نظر آخرون إلى وجود العلاقة المعقدة والمركبة بين الجميل و الجليل، بين الإبداع والمقدس، حتى أصبحت مسألة تثير عقول الباحثين ، وتوجس الوعاظ والمربين ، وتربك المتلقين، إلى حد إدانة الأول أو تحريمه أو تقليص حدوده لحساب الثاني، أو بالبحث عن إشكال من التوفيق بين الاثنين، وكأنهما على طرفي نقيض .

والمتتبع يجد أن الأسباب التاريخية والتي طرأت على الوعي، هي التي أفسدت فهم وتأويل ماهيتهما بصور متباينة في حدتها وذلك بعد انفصال الفن عن الدين أو بالأحرى ( علمنة الفن ) منذ عصر النهضة الأوروبية، الذي ميزه روح المغامرة المدفوعة بالرغبة في اكتشاف الطبيعة وعالم الإنسان، بمنأى عن سلطة الدين، حيث سعى الفن ـ شأن العلم والفلسفة ـ إلى التحرر من الدين وبذلك تم استبعاد المقدس أو الدين من مجاله الدنيوي، ووقع الانفصال بينهما. ومن ثم إلى استبعاد الدين من مملكة الجميل.
وعلى الجانب الآخر اتخذ الوعي الديني ” وليس الديـن ” موقفا عدائيا صريحا إزاء الفن، توجهه دوافع مختلفة ، ويحكمه سباق حضاري معين، وهو ما تجلى في ثقافة الفترة المتأخرة من عصر القدماء ، التي تميزت بخصومتها لفن التصوير التمثيلي، أو حين فرضت الأمبراطورية الرومانية تقييدا وإخمادا نهائيا لحرية الخطابة والتعبير الشعري .
كما يتخذ الصراع بين الفن والدين شكلا آخر، عبر الدعوة إلى ما يسمى « تديين الفن» التي قد تعكس ـ ظاهريا ـ حالة من المصالحة، أو المواءمة تنهي الصراع بينهما، ولكنها في حقيقة الأمر حالة تنزع إلى تطويع الفن للدين، أي استخدامه كأداة في ساحة الدين، التي لا تختلف في جوهرها عن عملية استخدام الفن في خدمة السياسة أو أية ايديلوجية ، وهو ما يعني الإخفاق في فهم طبيعة الفن، وقوانينه الذاتية، التي تحكم عملية إبداع الجميل أو إبرازه ، وتسعى ـ بخلاف ذلك ـ إلى تكريس الصراع بين الجميل والمقدس، حينما نتصورها خصمين في معركة لابد إن يستوعب فيها احدهما (الدين) الآخر (الفن).
وذلك على نحو ما يتجلى في مفهوم « أسلمة الفن »، الذي يحاول أصحابه فرض مفهوم أخلاقي، مستمد من الخطاب الديني، الذي هو في الأساس ممارسة ثقافية خلعت على نفسها ضربا من التقديس .
فلماذا لا يبرز الفن كقيمة له رسالته الراقية البعيدة عن الابتذال والتميع ! ….. فالفن هو في حقيقته من الثلاث قيم الكبرى في تاريخ الإنسان والتي هي الحق والخير والجمال ، فالحق دلالة على المعرفة،والخير يرمز إلى المعتقد ووظائف التقديس، والجمال يعبر عن الفن.
ومن زاوية فكرية مجردة يجب أن تنسخ فكرة و عقدة مصطلح الفن ، والتحسس من إطلاقها ، وأن الفن عيب فالمشكلة تكمن في الواقع من تراجع فروع الفن كلها ونمو سوق الفن الهابط المنتشر في بعض قنوات الإعلام المختلفة ، فالإنسان كائن شديد التعقيد،متعدد الجوانب والأبعاد،متنوع القوى والملكات والدوافع ….. فهناك الجانب المادي والجانب المعنوي فالعقل والعاطفة والحس والغريزة والشعور و الإلهام ..وكل جانب للكينونة البشرية يحتاج الغذاء الملائم كونه حاجة أصيلة في فطرة الإنسان..وكل احتياج إنساني يستمد مشروعيته من ذاته لا من خارجه فكم من المعاني الفنية والجمالية الراقية التي ماتت أو أمتناها بسبب تقليد موروث أو فهم خاطئ .
فالحضارة العربية الإسلامية التي نشأ فيها فن الغناء والمقامات وأزدهر بدءا من الحجاز،ثم إلى بغداد والأندلس وبقية الأمصار ، وعرف التراث الإسلامي كتابات كثيرة عن الفنون ، وسير أعلام المبدعين ، مثل كتابات الكندي والفارابي وابن سينا وأبو الفرج الأصفهاني مثال واضح … ، فالتاريخ بكثير شواهده سطرّ التناغم بين الدين والفن ، فأصبح الفن خادما للدين يصمم له أماكن العبادة ، ويزخرف له الجدران ، ويطرز له الثياب ، ويرتل له الأناشيد ، ويزين له العمران فالأهرامات ومساجد الأندلس وتركيا وغيرها نموذج لذاك .
وفي المقابل ريشة ميكائيل أنجلو ورفاييل رسمتا الإبداع وهندست الأبراج في كنائس الفاتيكان مثلا ، وهي التي ازدهرت في العصر العباسي فأبدعت في العمارة والزخرفة .
ولعل الشعر الذي هو ديوان العرب ووصف الله أهله فقال ( إنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون ) هو من أرقى الفنون فلم نجد القرآن الكريم يرفضه بالإطلاق بل ذكر أنه وصف بعض أهله بالصلاح والإيمان ، وإنما جعل أهل الفن فريقين فريق من أهل الهداية ، وآخرون من أهل الشقاوة فهو بذلك جعل ميزانا واضحا للحكم على الفن وتقييمه ، فهناك فن عالي وهناك فن هابط وهو ميزان ينطبق على جميع فروع الفن .
والقارئ للسيرة النبوية يجد أنه صلى الله عليه وسلم استمع إلى شعر الخنساء واستحسنه واستزاده ، وقد قال فيه ( وإن من البيان لسحرا ) ، وقد قال لأنجش وهو يحدو بالإبل رفقا بالقوارير فالغناء منه القصيد الجميل كما في المقابل منه القصيد الرخيص والسوقي .
وفي التصوير والرسم يخطئ من يحرم بالإطلاق مستشهدا ببعض الأحاديث وقياسا عليها من غير الرجوع إلى _ المناط والعلة _ كما يعبر الأصوليون ، فتحريمها في العهد الأول لما كانت تتخذ من العبادة ….. أما الآن فلا تعبد الصور ولا يسجد لها .
فهاهو صنع الله في هذه الطبيعة الساحرة ….. طيور تغني وعصافير تغرد وخيول ترقص ، وفي المقابل ألوان من الفراشات ، وزخارف في أوراق الشجيرات ، وأنواع من أطياف الزهرات دلالة توقف العقل والقلب لتشهد أن الفن مرتكز فطري ، ونشاط وفكر إنساني يبني في الإنسان مدينة جديدة اسمها مدينة الجمال .
وما أجمل التصوير القرآني الخاطف والنبيل في موقف امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام حيث غلقت الأبواب وقالت هيت لك و هيئت لك … وكيف همت به وهم بها … لندرك أن الرواية الفنية في القرآن لم تقصد إثارة جنسية بقدر ما كانت همسة ولمسة تربوية ، فالرواية إن لم تتطرق إلى تجسيد أو تفصيل فهي فن وجمال
وأقول …… الفن إن كان علما أو معرفة أو مهنة أو منحة فيجب أن يكون له غاية …. ومن الظلم أن تكون مكانته متلازمة مع عيوب الفنان أو سلوكه وأخطاءه ، فالفن علامة ومرآة تعكس الجميل وتظهر الجمال فلنجعل قيم الجميل ملازمة له دائرة في كينونته ، فالجمال سيبقى منبعا من الفن ومصافح لأهله إن استقى من بحر الجلال .








أضف تعليق