
إيمير أودواير، كاتبة مستقلة تهتم بالمجتمع، والفنون، والسفر، والعدالة الاجتماعية:
لطالما راودتني رغبة السفر بمفردي.. فحين بلغت التاسعة عشرة من عمري، قرأتُ كتاب «أهم خمس ندامات عند الموت»، وكانت تجربة بروني واير التي روتها عن عملها كممرضة في مجال الرعاية التلطيفية، متنقّلة بين الناس في رحلتهم الأخيرة، مصدر إلهامٍ عميقٍ لي.
سردت تجربتها في عيش أسلوب حياةٍ متنقّل، وفي الأحاديث التي جمعتها مع أشخاصٍ كانوا يواجهون لحظاتهم الأخيرة. وقد تكرّر بين كلماتهم ندمٌ واحدٌ أكثر من غيره: أنهم لم يعيشوا الحياة التي أرادوها حقًّا. قالت إحدى العبارات التي ظلت ترنّ في ذهني منذ ذلك الحين: «ليتني امتلكت الشجاعة لأعيش حياةً أمينةً مع نفسي، لا الحياة التي انتظرها الآخرون مني.»
زاد كتابها من رغبتي في التطوّع في الخارج، والعمل مع أشخاصٍ مختلفين، والتعلّم منهم، وسماع قصصٍ لا تنتهي. ومع غياب الدراسة أو العمل الذي أختبئ خلفه، ومع فضولٍ ينهشني، جمعتُ أخيرًا شجاعتي لأحزم حقيبتي في فبراير الماضي
كانت محطّتي الأولى قرية صغيرة بالقرب من سييم ريب في كمبوديا، حيث كنت سأقضي خمسة أسابيع متطوّعةً كمدرّسة لغة إنجليزية. أنجزتُ دورة تعليم الإنجليزية كلغةٍ أجنبية (TEFL) قبل السفر بعدة أشهر لاكتساب مهارات تدريس عملية. حصلت على اللقاحات، قرأت بعض المدوّنات، وحجزت تذاكري.
غادرتُ بخطةٍ لزيارة بعض الأماكن في كمبوديا وتايلند التي رغبت برؤيتها بعد فترة عملي في المدرسة، وفكرةٍ عامة عن مشاريع تطوّعية أخرى في أوروبا خلال الصيف. لكنني لم أفرط في التخطيط لمساري أو وجهاتي.

لم أكن مدفوعةً بالرغبة في رؤية أماكن محددة أو معالم سياحية بعينها. لم تكن لدي قائمة أمنيات أو جدول صارم. كنت أرغب في سماع القصص، في القفز إلى الحياة بعقلٍ مفتوح، والانغماس في ثقافات وتجارب جديدة، وترك مساحة للتغيير، للإلغاءات، لتبدّل الرأي، ولحدس اللحظة.
كانت صدمة الثقافة لا مفرّ منها وضربتني بقوّة في الأيام الأولى، إلى جانب الحرارة والإحساس بالوجودية. تذكّرت الشاعر بول دوركان وهو يحدّق في «سقفٍ عليه فسيفساء من علامات الاستفهام» بينما كنت أحاول النوم ليلًا. لم يكن الأمر خوفًا أو شعورًا بعدم الأمان، بل شعورًا بعدم معرفتي ماذا أفعل بنفسي. بعد أن انتقلت من الدراسة إلى العمل بدوام كامل، شعرت أن أمامي وقتًا لا نهاية له يمتدّ أمامي — شعور بالوجود في حالة برزخية.
أدركت أن الحرية يمكن أن تكون خانقة بقدر ما هو الروتين الراكد. إنها تحتاج إلى تأقلم.
متوترة، متقرّحة، ومغطاة بلدغات البعوض، التقيتُ باثنين من المتطوّعين الآخرين، وتم اصطحابنا من المدينة. كنت أنظر من النافذة إلى الطريق الترابية الحمراء ونحن نسير نحو الريف، نعبر مزارع اللوتس وحقول الأرز. بيوتٌ خشبية مرتفعة، أمام كلٍّ منها معبدٌ صغير. تصاحب المشهدَ أوركسترا من الأصوات: موسيقى، هدير الدراجات النارية والتوك توك، همهمة الخلفية، الحفر، الطنين، التصفيق، والهمهمة. كلها تمتزج معًا، تتنافس لتكون الأعلى.
أحببتُ تلك الفوضى — كيف أنها أيقظت حواسي جميعها.
وصلنا إلى قرية باكونغ في المساء. كان بيتي الجديد على طريق مزدحم، بالقرب من محطة وقود ومتجر صغير وأكشاك سوق. عند دخولنا الفناء، رأيت صفًّا من الدراجات، وأشخاصًا في الأراجيح، وأطفالًا يلعبون كرة القدم. التقينا بالمتطوعين الآخرين وعائلتنا المستضيفة، وصعدنا إلى الطابق العلوي حيث مكان إقامتنا. كانت هناك شرفة خشبية كبيرة بمراوح وحصر وأراجيح. في الداخل صفوف من الفرش محاطة بشباكٍ واقيةٍ من البعوض وستائر فاصلة. المراوح تطنّ، تقاتل الحرارة الخانقة.
أُعطينا بعض الوقت للتأقلم، ثم حان وقت دروس المساء. خلف المنزل ثلاث فصول خشبية وفصل خارجي. مع أحد المتطوّعين، كنت أدرّس صفّ المبتدئين الصغار من عمر سبع إلى عشر سنوات، ولاحقًا، مع متطوعين آخرين، صفّ المستوى المتوسط الأعلى من الشباب.
كنت متوترةً جدًا في تلك الأمسية الأولى وأنا أتحدث أمام الطلاب. شعرتُ بقبضة القلق الاجتماعي في معدتي وعدتُ طفلةً في الثانية عشرة من جديد. لكن لم يكن هناك ما أخافه — فقد كانوا طيبين ومليئين بالفضول.
أعجبتني مثابرتهم على حضور هذه الدروس الإضافية بعد يومٍ طويلٍ في المدرسة أو الجامعة. ومع مرور الأيام، بدأت أتطلع إلى سماع قصصهم وأسئلتهم، والتعلّم منهم عن ثقافة كمبوديا وتقاليدها.
في الصباح، كنا نتناول الإفطار ثم نركب الدراجات إلى المدرسة الحكومية المحلية للتدريس. كانت تلك إحدى لحظاتي المفضلة في اليوم — ركوب الدراجة وسط الريف، التعرف على المكان، ومبادلة التحية مع السكان المحليين. كانت مجموعات الطلاب الصغار تتدافع نحو بوابة المدرسة لملاحقتنا، يريدون اللعب واحتضاننا. كانوا مليئين بالحب والمشاكسة.
بعد دروس الصباح، كنا نبقى للعب معهم قليلًا، ثم نذهب إلى المقهى المحلي أو نتجوّل في الأسواق، نلتهم الموز الصغير والمانجو، ونبحث عن الظل خلال أكثر أوقات اليوم حرارة. أحيانًا نرسم أو نلعب الورق، أو نذهب بالدراجات إلى البحيرة ونسبح في مياهها العكرة.
كنت أتطلع لرؤية الطلاب يتدفّقون إلى دروس المساء، بحيويتهم ومرحهم. نتحدث عن يومهم، نتعرّف عليهم أكثر، ونلعب في الحقل مع غروب الشمس.
في عطلات نهاية الأسبوع، كنا نغادر منزل العائلة المضيفة إلى سييم ريب، نستكشفها مع المعلمين المحليين. كنت أعشق ركوب الدراجات النارية في الطرق المتعرجة المؤدية إلى القمم الجبلية، حيث نستكشف المعابد والشلالات، ونشاهد الغابة الشاسعة تمتدّ تحتنا. كانت عربات التوك توك تهتزّ في الممرات الضيقة، والروائح من حولك تتبدّل بين الطبخ والتوابل والعطور والفاكهة، مع أزيز المرور وصوت المقالي الساخنة.
أحببتُ الخُضرة، والطرق الحمراء المغبّرة، والأسواق المزدحمة، والمباني والمدن الفوضوية.
لكن الناس كانوا أكثر ما أثّر فيّ. ألهمني المعلمون والطلاب الذين عملت معهم، كما أثّرت فيّ طيبة السكان المحليين التي بدت بلا حدود — استقبلونا بقلوب مفتوحة، وشاركوا معنا مجتمعهم وثقافتهم.
(انتهى)
المصدر: مترجم من صحيفة ذا آيريش تايمز







أضف تعليق