
عبدالله بوقس، كاتب وصحفي مهتم بشؤون جنوب شرق آسيا:
بين سكون الصورة وضجيج القاعات، خُتمت في كوالالمبور فصول القمة الـ47 لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي تحوّلت إلى مسرحٍ يتقاطع فيه التاريخ بالدبلوماسية. ففي لحظة رمزية بعد انفضاض القمة، اكتفى رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم بمنشورٍ واحد على صفحته الرسمية، حمل نقطةً وحيدة بلا تعليق. لم تكن تلك النقطة علامة نهاية، بل فاصلاً تأملياً بين حدثٍ صنعته بلاده وبين مرحلةٍ ستُبنى على نتائجه. كانت النقطة صمتاً مقصوداً بعد ضجيج السياسة، ودلالةً على أن ما جرى في كوالالمبور لا يُختزل في بيانات القادة، بل فيما ستفرزه الأيام من موازين جديدة بين القوى.

خلال ثلاثة أيام مكثفة من 26 إلى 28 أكتوبر 2025، استضافت العاصمة الماليزية أكثر من ثلاثين زعيمًا من مختلف القارات، في قمةٍ حملت شعار «الشمولية والاستدامة». لم تكن المناسبة مجرّد اجتماعٍ إقليمي، بل لحظة إعادة تموضع في خريطةٍ دولية تتنازعها الحمائية الاقتصادية والانقسام الجيوسياسي. من واشنطن إلى بكين، ومن جاكرتا إلى برازيليا، تحوّلت كوالالمبور إلى نقطة التقاء بين متناقضاتٍ تُدرك أن مستقبل آسيا لن يُرسم في العواصم البعيدة، بل في قلب الجنوب الشرقي نفسه، حيث تسعى ماليزيا إلى إعادة تعريف معنى القيادة الإقليمية في زمنٍ تتقاطع فيه التجارة بالسيادة، والدبلوماسية بالهوية.
الولايات المتحدة والرسوم: بين السلام والصفقات
لم يكن المشهد الأبرز في القاعات المغلقة، بل على مدرج مطار كوالالمبور الدولي. فحين وطئت قدما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أرض ماليزيا، دوّى لحن «هاواي فايف-أو»، فتبدّل البروتوكول إلى مشهدٍ استعراضي قصير، تراقص فيه ترامب، وردّ أنور بابتسامةٍ عابرة كسرت جمود المراسم. كان المشهد ظاهرياً ترفيهاً، لكنه في جوهره لغة دبلوماسية جديدة، تُترجم بالرمز ما تعجز عنه الخطابات.
وخلف الواجهة، كانت واشنطن وكوالالمبور تخطان نصاً جديداً في علاقةٍ معقدة بين شريكٍ اقتصاديٍّ ومفاوضٍ استراتيجي. ففي غضون ساعات، تحوّل اللقاء إلى إنجازٍ دبلوماسي حين شهدت الولايات المتحدة توقيع «اتفاق كوالالمبور للسلام» بين تايلند وكمبوديا، ليحوّل وقف إطلاق النار في يوليو إلى التزامٍ ملزم: سحب الأسلحة الثقيلة، ونشر مراقبين من آسيان، وإطلاق سراح ثمانية عشر أسيراً كمبودياً. بدا واضحاً أن واشنطن ضغطت وماليزيا توسّطت، وأن الصراع الحدودي القديم خضع لأول مرة لميزانٍ جماعيٍّ داخل الإقليم نفسه، مع تجاهل تام لدور الصين!.
ثم انتقل الخطاب من السياسة إلى الاقتصاد؛ حيث أعلنت ماليزيا والولايات المتحدة رفع علاقاتهما إلى مستوى «شراكة استراتيجية شاملة»، مقرونة باتفاقٍ تجاري ومذكرة تفاهم حول المعادن النادرة والمعادن الحيوية. ثُبتت الرسوم الجمركية على الصادرات الماليزية عند 19 في المئة، مع استمرار الإعفاءات عن منتجات أشباه الموصلات التي تشكل العمود الفقري لصادرات البلاد الصناعية. أما التزامات واشنطن فشملت بيع طائرات (بوينغ)، وغازاً مسالاً، ومكوناتٍ لمراكز بياناتٍ متقدمة، فيما يشبه “إدماج ماليزيا” في هندسة سلاسل الإمداد الأمريكية الجديدة.

لكن المعارضة الماليزية لم تتأخر في إطلاق سهامها. وصف النائب وان أحمد فيصل الاتفاق بأنه «صفقة مع الشيطان»، مدّعياً أنه يرهن ثروات البلاد المعدنية لقوى أجنبية. وردّ وزير الاستثمار والتجارة تنكو زفرول عزيز موضحاً أن كل صادرات المعادن النادرة ستمر عبر مراحل تصنيع محلية تضمن القيمة المضافة وتحمي السيادة الصناعية. كان الجدل انعكاساً لصراعٍ أعمق، بين واقعية الاقتصاد العالمي ومثالية الاستقلال الوطني.
غزة وميانمار: حين تُختبر الأخلاق في السياسة
لم تكن القمة حدثاً اقتصادياً فحسب، بل امتحاناً أخلاقياً لضمير آسيان الجماعي. ففي كوالالمبور، أيّد أنور إبراهيم خطة ترامب ذات النقاط العشرين بشأن غزة، واصفاً إياها بأنها «وميض أمل»، لكنه شدد على أن أي سلام لا يضمن دولةً فلسطينية هو سلامٌ مؤقت محكومٌ عليه بالزوال. وفي الوقت نفسه، أحيطت زيارة ترامب بإجراءات أمنية مشددة، مع احتجاجاتٍ محدودة داعمةٍ لغزة، عكست كيف يراقب الشارع الماليزي سياسة بلاده بعين الهوية الإسلامية والانتماء الإنساني.
أما ميانمار فظلت الجرح المفتوح في جسد آسيان. فقد أعاد القادة التذكير بـ«التوافق الخماسي» الصادر عام 2021، ودعا أنور قائد المجلس العسكري إلى تقليص العمليات العسكرية في ولايتي راخين وكارين. ورغم تراجع نسبي في حرق القرى، ما زالت معاناة الروهينغيا تكشف حدود قدرة آسيان على تحويل المبادئ إلى أفعال.

وفي موازاة ذلك، حمل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى القمة تحذيراً من تصاعد العنف في إقليم الفاشر بالسودان، مؤكداً أن الحروب البعيدة ليست بعيدة في آثارها، فهي تعرقل سلاسل الإمداد، وتفاقم أزمات اللاجئين، وتزيد من هشاشة الأمن الإقليمي.
الصين والبحر والتجارة: المعادلة التي لا تنتهي
في الجانب الاقتصادي، مثّل توقيع النسخة المطورة من «اتفاقية التجارة الحرة بين آسيان والصين» (ACFTA 3.0) خطوةً تاريخية لتوسيع التعاون في الاقتصاد الأخضر والتجارة الرقمية وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فالصين، الشريك التجاري الأكبر لآسيان منذ ستة عشر عامًا، وجدت في كوالالمبور مساحة لإعادة صياغة العلاقة على أسسٍ متوازنةٍ بين النمو والانفتاح.
لكن البحر ظلّ بينهما مساحة اختبارٍ أخرى. فقد أعلن الرئيس الفلبيني فيرديناند ماركوس الابن -أقوى حليف لأمريكا في المنطقة، الذي سيتسلم رئاسة آسيان المقبلة، أن مانيلا ستدفع نحو اتفاقٍ ملزمٍ لسلوك الأطراف في بحر الصين الجنوبي، محذراً من «الإجراءات القسرية» التي تهدد حرية الملاحة وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وردّ رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ داعياً إلى التعاون لا المواجهة، ومحذراً من «تأميم السياسات الاقتصادية باسم الأمن».

أنور، من جانبه، أكد أن بحر الصين الجنوبي يجب أن يكون «ممرًا للازدهار لا ساحةً للصراع»، مشيراً إلى أن أمن الملاحة لا ينفصل عن أمن التنمية.
واستضافت ماليزيا، في سياق اقتصادي ذي دلالة استراتيجية، القمة الخامسة لقادة «اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة» (RCEP)، أكبر اتفاق تجارة حرة في العالم، والذي يمثل نحو ثلث الناتج العالمي، ويرى فيه المراقبون تجسيدًا للمواجهة الاقتصادية الهادئة بين الصين والولايات المتحدة في ساحة آسيا المتحركة.
تيمور ليستي: ولادة العضو الحادي عشر
وفي مشهدٍ حمل رمزية عميقة، انضمت تيمور ليستي رسميًا إلى آسيان كعضوٍ حادي عشر، لتنهي رحلة انتظارٍ امتدت أكثر من عقد. قال رئيس وزرائها زانانا غوسما إن الانضمام «تتويج لمسيرة الديمقراطية»، بينما وصفه الأمين العام للرابطة كاو كيم هورن بأنه «تعزيز لصوتٍ جديد في الأسرة الإقليمية». أما أنور إبراهيم فرأى فيه «اكتمال العائلة الآسيوية».

ومع لحظات الفرح هذه، برزت التحديات: ضعف البنية المؤسسية، والحاجة إلى مواءمة التشريعات والقدرات الإدارية. ومع ذلك، فإن انضمام دولة صغيرة بعد تجربة استعمارية مؤلمة أعاد التذكير بروح آسيان الأولى: أن العضوية ليست مكافأة، بل وعدٌ بالتماسك الإقليمي في وجه الانقسامات العالمية.
الختام: بين النقطة والبداية
بثمانين وثيقة ختامية، أعادت ماليزيا عبر قمتها تعريف آسيان ككتلةٍ واعية لموقعها في لحظة إعادة تشكيل التوازنات الكبرى. فقد جمعت بين اتفاق سلام في البرّ الكمبودي-التايلندي، وشراكات اقتصادية مع واشنطن وبكين، وولادة عضو جديد في شرق آسيا، في مشهدٍ لم يكن استعراضًا بروتوكوليًا بل تمرينًا على الدبلوماسية الناضجة.

ومع تسليم أنور المطرقة الرمزية إلى الرئيس الفلبيني ماركوس الابن، تركت كوالالمبور وراءها إرثًا مفتوحًا: اختبارًا لما إذا كانت اتفاقية السلام ستصمد، وهل ستترجم الشراكات الاقتصادية إلى فرصٍ حقيقية، وهل ستتمكن آسيان من تحويل بياناتها عن غزة وميانمار إلى أفعالٍ ملموسة.
النقطة التي نشرها أنور لم تكن نهاية النص، بل فاصلة بين مرحلتين: مرحلةٍ انتهت بانعقاد القمة، وأخرى تبدأ بترجمة ما كُتب على المنصات إلى واقعٍ على الأرض. لقد ذكّرت كوالالمبور العالم أن آسيان لم تعد ساحةً لتجاذبات القوى، بل كيانًا يريد أن يكتب مستقبله بيده. والسؤال الآن ليس عمّا انتهى، بل عمّا سيُكتب بعد تلك النقطة.
(انتهى)








أضف تعليق