
د.صالح بن محمد خير الكعود، باحث وأكاديمي في تنمية الموارد البشرية:
لم يعد الذكاء الاصطناعي (AI) مجرد تكنولوجيا ناشئة أو مفهوم مستقبلي، بل أصبح اليوم المحرك الأساسي لأكبر تحول تشهده أسواق العمل منذ الثورة الصناعية. تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2023 إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى خلق نحو 97 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2027، في حين ستختفي قرابة 83 مليون وظيفة تقليدية. هذه الأرقام تكشف أننا لا نعيش عصر فقدان الوظائف، بل عصر إعادة تعريفها، إذ تتجه المؤسسات من الأتمتة الكاملة إلى ما يمكن تسميته بـ “الشراكة الذكية” بين الإنسان والآلة، حيث يكمل كل منهما الآخر في تحقيق الكفاءة والإبداع في العمل (World Economic Forum, 2023).
هذا التحول لم يقتصر على القطاعات التقنية فقط، بل امتد إلى مجالات التعليم، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، وحتى القطاع العام. ففي بعض الإدارات الحكومية بسنغافورة وماليزيا، تُستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتسريع معالجة المعاملات وتحليل احتياجات المواطنين بشكل أكثر دقة. وبالمثل، طورت شركة Amazon أنظمة تحليل تنبؤية تساعدها على إدارة سلاسل الإمداد العالمية بكفاءة أعلى بنسبة تجاوزت 20% مقارنة بالأعوام السابقة، وهو ما يعكس كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرفع جودة القرار الإنساني بدلًا من أن يلغيه (McKinsey & Company, 2024).

في مجال تنمية الموارد البشرية، أعاد الذكاء الاصطناعي تشكيل الدور التقليدي لإدارة الموارد البشرية من مهام إدارية إلى وظيفة استراتيجية قائمة على البيانات. فبدلًا من التركيز على التوظيف والتقييم فقط، أصبحت إدارات الموارد البشرية تستخدم أنظمة ذكية لتحليل الاتجاهات السلوكية، وتوقع احتياجات التدريب المستقبلية، وتصميم برامج تعلم مخصصة لكل موظف. على سبيل المثال، طبقت شركة IBM نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الفجوات المهارية لدى موظفيها، مما ساعدها على تقليل معدل دوران العمالة بنسبة 12% خلال عام واحد فقط. وتؤكد دراسة لشركة McKinsey أن أكثر من 56% من المؤسسات الكبرى حول العالم تستخدم اليوم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التدريب وتنمية الكفاءات، مما يعكس تحول الموارد البشرية إلى شريك حقيقي في التخطيط الاستراتيجي للمؤسسة (McKinsey & Company, 2024).
ومن بين أبرز التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، إعادة تعريف المهارات المطلوبة في سوق العمل. فبينما كانت الكفاءة التقنية في الماضي تميز الموظف الناجح، أصبح التوازن بين “المهارات الصلبة” (Hard Skills) و”المهارات الإنسانية” (Soft Skills) هو ما يحدد القيمة الحقيقية للعامل. وفقًا لاستطلاع أجرته شركة PwC في 2024 على أكثر من 50 ألف موظف من 46 دولة، يرى 69% من المشاركين أن التفكير النقدي والإبداع والذكاء العاطفي هي مهارات لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستبدلها. وهذا ما يفسر توجه كبرى الشركات نحو تعزيز برامج التدريب على القيادة الأخلاقية والتواصل الإنساني جنبًا إلى جنب مع التدريب التقني (PwC, 2024).
كما أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في عمليات التوظيف حول العالم. فشركات مثل Unilever وGoogle تستخدم خوارزميات متقدمة لتحليل المقابلات المرئية واستخراج مؤشرات الشخصية والقدرات المعرفية من تعبيرات الوجه ونبرة الصوت. هذه التقنيات حسّنت سرعة ودقة التوظيف بنسبة تصل إلى 30%، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات أخلاقية. فقد كشفت مجلة MIT Technology Review في تقريرها لعام 2023 أن بعض هذه الأنظمة قد تُظهر تحيزًا غير مقصود تجاه نوع الجنس أو اللهجة أو الخلفية الثقافية للمتقدمين، وهو ما دفع العديد من المؤسسات إلى تبنّي مفهوم “الذكاء الاصطناعي المسؤول” (Responsible AI) لضمان الشفافية والعدالة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالموارد البشرية (MIT Technology Review, 2023).
وفي سياق القيادة والتطوير المؤسسي، يشير تقرير Harvard Business Review (2024) إلى أن القادة الذين يعتمدون على التحليلات الذكية في قراراتهم اليومية يحققون أداء أعلى بنسبة 23% في إنتاجية فرقهم مقارنة بالقادة التقليديين. فالذكاء الاصطناعي أصبح أداة دعم للقرار القيادي، وليس بديلاً عنه، إذ يزوّد المديرين ببيانات دقيقة حول أداء الفرق واحتياجاتهم التدريبية، مما يرفع من مستوى المرونة والاستجابة داخل المؤسسات. كما أن اعتماد أنظمة التعلم التكيفي في التدريب — مثل تلك المستخدمة في منصات Coursera وLinkedIn Learning — أتاح للموظفين فرصة تلقي محتوى تدريبي مخصص وفقًا لاحتياجاتهم الفعلية، مما ضاعف معدلات الاحتفاظ بالمعرفة وتحسين الأداء الفردي.
لكن هذه التحولات السريعة تثير قلقًا مشروعًا لدى العاملين بشأن مستقبل وظائفهم. إلا أن تقارير منظمة العمل الدولية لعام 2024 توضح أن نحو 60% من المهن الحالية ستتأثر بالذكاء الاصطناعي، إلا أن أكثر من نصف هذه المهن ستتحول إلى وظائف جديدة ذات طابع مختلف، وليس إلى بطالة. هذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يقضي على العمل الإنساني، بل يجبر المؤسسات والأفراد على التكيّف عبر استراتيجيات إعادة التأهيل (Reskilling) ورفع المهارات (Upskilling). لذلك تتجه الدول المتقدمة إلى تحويل ثقافة التعلم المستمر إلى ركيزة أساسية في بيئة العمل الحديثة (International Labour Organization, 2024).
إن مستقبل تنمية الموارد البشرية في عصر الذكاء الاصطناعي يتجه نحو ما يمكن تسميته بـ “التنمية البشرية الرقمية”، حيث تصبح التكنولوجيا شريكًا أساسيًا في اكتشاف المواهب وتخصيص التعليم وتحليل السلوك التنظيمي. ومع ذلك، يبقى العنصر الإنساني هو المحور الأخلاقي لأي تقدم. فالخوارزميات قد تُحسّن الكفاءة وتقلل الأخطاء، لكنها لا تملك ضميرًا، ولا يمكنها أن تعوّض القيم الإنسانية مثل الأمانة والإحسان والثقة. لذلك فإن التنمية الحقيقية ليست في استبدال الإنسان بالتقنية، بل في تمكين الإنسان عبر التقنية ليصبح أكثر وعيًا، وإبداعًا، وإنسانية في بيئة العمل.
(انتهى)







أضف تعليق