ديلي 9 نوفمبر: انضمت تيمور-ليستي رسميًا إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) في السادس والعشرين من أكتوبر 2025، لتصبح الدولة الحادية عشرة في الرابطة والأولى التي تنضم منذ نحو خمسةٍ وعشرين عامًا، بعد مسارٍ استمر نصف قرنٍ تخللته احتلالات أجنبية وحروب مقاومة ومهام سلامٍ أممية، وصولًا إلى الاستقلال الكامل ثم العضوية الإقليمية المنتظرة. جاء الإعلان خلال القمة السابعة والأربعين لآسيان التي استضافتها كوالالمبور برئاسة ماليزيا، حيث رفرف العلم الأحمر والأسود لتيمور-ليستي إلى جانب أعلام الدول العشر الأعضاء في احتفالٍ وصفه المراقبون بأنه “لحظة تاريخية مؤثرة في مسار جنوب شرق آسيا”.
وقال رئيس وزراء تيمور-ليستي كاي رالا شنانا غوسماو أمام القادة المشاركين في القمة: “هذا حلمٌ تحقق، لكنه ليس نهاية رحلتنا بل بداية فصلٍ جديدٍ ملهم في تاريخنا”. وأضاف الرئيس خوسيه راموس-هورتا، الحائز على جائزة نوبل للسلام، أن الانضمام “تحقيقٌ لهدف استراتيجي تحدثنا عنه في السبعينيات، حين لم يكن لدينا سوى الإيمان والأمل”.
تأسست رابطة آسيان عام 1967 لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين دول جنوب شرق آسيا. وتقدّمت تيمور-ليستي بطلب العضوية عام 2011، لكنها واجهت تأجيلات طويلة بسبب هشاشتها الاقتصادية واعتمادها على النفط وضعف قدراتها الإدارية. يبلغ عدد سكانها نحو 1,4 مليون نسمة، ويُقدّر ناتجها المحلي الإجمالي بثلاثة مليارات دولار أمريكي (USD3 مليار)، مما يجعلها واحدة من أصغر اقتصادات المنطقة.

مشهد من مراسم رفع العلم خلال عرض يوم استقلال تيمور-ليستي في العاصمة ديلي. (صورة: الأمم المتحدة)
جاء القرار التاريخي خلال رئاسة ماليزيا لقمة آسيان، حيث وقّعت الدول الأعضاء “إعلان قبول تيمور-ليستي” رسميًا. وقال غوسماو إن الانضمام “يمثل طوق نجاة سياسيًا واقتصاديًا”، فيما أشار راموس-هورتا إلى أن بلاده “وجدت أخيرًا بيتها الطبيعي بعد عقودٍ من النضال”.
خاضت تيمور-ليستي واحدة من أطول معارك الاستقلال في القرن العشرين. فبعد إعلان استقلالها عن البرتغال عام 1975، تعرّضت لغزوٍ وضمٍّ إندونيسي استمر أربعةً وعشرين عامًا، خاض خلالها شعبها مقاومةً قادها غوسماو من الجبال، وراموس-هورتا من المنفى عبر الدبلوماسية الدولية. وقد قُتل أكثر من مئة ألف شخصٍ في الصراع. وفي عام 1999 أجري استفتاء أممي صوت فيه الشعب بأغلبيةٍ ساحقةٍ لصالح الاستقلال، أعقبه عنفٌ دمّر البنية التحتية، قبل أن تتدخل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وتعيد النظام، لتُعلن الدولة استقلالها رسميًا في 20 مايو 2002 كأول دولةٍ ذات سيادةٍ في القرن الحادي والعشرين.
وضعت ديلِي منذ اليوم الأول هدف الانضمام إلى آسيان ضمن أولوياتها، معتبرةً أن الرابطة هي فضاؤها الطبيعي جغرافيًا وثقافيًا وسياسيًا. وقال راموس-هورتا سابقًا: “آسيان كانت دائمًا وطننا الطبيعي؛ نحن من جنوب شرق آسيا تاريخًا وجغرافيا وثقافةً ومصيرًا”.
وقد حصلت تيمور-ليستي في عام 2022 على صفة “المراقب” بعد اجتماع قادة آسيان في بنوم بنه، وتم اعتماد “خريطة طريقٍ للعضوية” تحدد المتطلبات الإدارية والمؤسساتية. وخلال رئاسة ماليزيا في 2025، رأت الدول الأعضاء أن الوقت قد حان للانضمام الكامل بعد استيفاء ستةٍ من سبعة معايير أساسية، فيما بقي معيار استضافة الاجتماعات قيد التطوير.
يرى مراقبون أن عضوية آسيان تمثل لتيمور-ليستي رهانًا اقتصاديًا وسياسيًا على البقاء، إذ تعاني البلاد من تراجعٍ في عائدات النفط مع نضوب حقل (بايو-أندان) الذي شكّل مصدرًا رئيسيًا للدخل، فيما لا تزال مشاريع الغاز الكبرى مثل (غريتر صنرايز) عالقة في خلافاتٍ مع أستراليا حول الأنابيب وتقاسم الأرباح. وتشير التقديرات إلى أن صندوق الثروة السيادي للدولة قد يبدأ في الانكماش خلال عقدٍ ما لم تُستحدث مصادر دخلٍ جديدة.
تمنح عضوية آسيان تيمور-ليستي منفذًا إلى سوقٍ إقليميةٍ تضم 650 مليون نسمةٍ بإجمالي ناتجٍ يقارب أربعة تريليونات دولار أمريكي، كما تتيح لها فرصًا لجذب المستثمرين عبر التكامل الاقتصادي. ومن المتوقع أن تسهم برامج التعاون الفني داخل آسيان في بناء القدرات الإدارية للدولة عبر التدريب في مجالات الجمارك، وسلامة الأغذية، والتخطيط المالي، وإدارة الكوارث.
انضمام تيمور-ليستي يحمل بعدًا استراتيجيًا للرابطة التي عانت من تآكل مصداقيتها بسبب أزمة ميانمار منذ انقلاب 2021، إذ يقدّم انضمام دولةٍ ديمقراطيةٍ فتية قصة نجاحٍ رمزيةٍ تعيد التوازن إلى صورة آسيان كمنظمةٍ منفتحةٍ وشاملة. وتتميّز تيمور-ليستي بموقعٍ جغرافيٍ بالغ الأهمية بين المحيطين الهندي والهادئ، على خطوط الملاحة البحرية الحيوية، ما يجعلها عنصرًا مؤثرًا في ممرات الطاقة والتجارة.
إن زعيمين مثل غوسماو وراموس-هورتا، اللذين تحولا من رموز مقاومةٍ إلى رجال دولة، يضيفان “رصيدًا أخلاقيًا” إلى الرابطة في زمنٍ تزداد فيه المنافسة بين القوى الكبرى. وقال راموس-هورتا: “نأمل أن نُسهم في السلام والحوار من واقع تجربتنا المؤلمة مع الحرب”.
أما القلق الذي كانت تبديه بعض الدول، مثل سنغافورة، بشأن القدرات البيروقراطية لتيمور-ليستي بدأ يتلاشى بعد إنشاء وحدات تنسيق آسيان في كل وزارة مركزية، وإيفاد دبلوماسيين للتدريب في ماليزيا ولاوس. وأوضح المسؤولون الماليزيون أن تيمور-ليستي استوفت بالفعل معظم المعايير الفنية، وأن قدرتها على استضافة القمم ستكون “قيد البناء لكنها قابلة للتحسين السريع”.
وبذلك، ستشارك تيمور-ليستي مستقبلاً في قمم آسيان مع الصين واليابان والهند والاتحاد الأوروبي وأستراليا ودول مجلس التعاون الخليجي، ما يمنحها حضورًا دبلوماسيًا لم تحظ به من قبل.
إن صورة غوسماو وهو يوقّع وثيقة الانضمام في كوالالمبور، بعد أكثر من عقدين من خروجه من السجون الإندونيسية، تختصر رحلة دولةٍ صعدت من رماد الاحتلال إلى مقعدها في طاولة الكبار. وقال غوسماو في ختام كلمته: “لقد صنعنا التاريخ، وعلينا الآن أن نكتبه من جديد”.
(انتهى)
المصدر: ترست-تايمز







أضف تعليق