ارتفاع دور صناديق الاستثمار المملوكة للدولة في جنوب شرق آسيا

جيمس غيلد، خبير متمرّس في شؤون التجارة والتمويل والتنمية الاقتصادية في منطقة جنوب شرق آسيا:

شهدت منطقة جنوب شرق آسيا تحولاً ملحوظاً في دور صناديق الاستثمار المملوكة للدولة، والتي كانت تاريخياً حكراً على الدول المصدرة للصافي مثل سنغافورة وماليزيا، التي سعت إلى تنمية ثروتها السيادية المتراكمة. ومع إطلاق صناديق مثل Danantara  في إندونيسيا وMaharlika Wealth Fund  في الفلبين، بدأ يُعاد تصور هذه الصناديق كأداة لزيادة الموارد المالية لدعم المصالح الوطنية والتنمية الاقتصادية.

تعد صناديق الاستثمار المملوكة للدولة ليست جديدة في المنطقة؛ فقد أطلقت سنغافورة أولى صناديقها Temasek Holdings  عام 1974، تلتها GIC عام 1981، وهي أول صندوق سيادي غير قائم على الموارد الأولية في العالم. وفي 2025، تمتلك هذه الصناديق مئات المليارات من الدولارات وتستثمر في محفظة متنوعة. أما ماليزيا، فأطلقت Khazanah Nasional Berhad  عام 1993 بمحفظة استثمارية تبلغ قيمتها 33 مليار دولار أمريكي، تعمل بطريقة مشابهة لصندوقي سنغافورة.

صناديق مثل Temasek وGIC وKhazanah تستثمر خارجياً، بينما تحتفظ بحصص في شركات وطنية استراتيجية. فمثلاً، تملك Temasek  حصصاً كبيرة في شركات سنغافورية رئيسية مثل Singapore Airlines وSingtel  وST  Engineering وDBS  وCapitaLand وKeppel وSembcorp. وفي ماليزيا، تلعب Khazanah  دوراً مماثلاً في شركات مثل TNB وMAHB وMalaysian Airlines وCIMB وAxiata.

قادة إندونيسيا خلال إعلان صندوق Danantara الجديد لتعزيز التنمية الاقتصادية الوطنية. (صورة: منتدى شرق آسيا)

في السنوات الأخيرة، أطلقت إندونيسيا صندوقين استثماريين مملوكين للدولة، بدايةً بـIndonesia Investment Authority (INA) عام 2021، تلاه Danantara عام 2025، فيما أطلقت الفلبين Maharlika Wealth Fund عام 2023. وتختلف هذه الصناديق عن نظيراتها في سنغافورة وماليزيا، إذ أن إندونيسيا والفلبين ليستا دولتين فائضتين مالياً، وتعتمدان على آليات مبتكرة لتأمين رأس المال، بما في ذلك تحويل أصول مملوكة للدولة إلى الصناديق وحقنها مباشرة بالتمويل الحكومي.

تتمثل المهام المزدوجة لهذه الصناديق في تحقيق أهداف تجارية وغير تجارية؛ إذ يتوقع منها الاستثمار لتعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية، مع ضمان جدوى واستدامة الاستثمارات. كما تُستخدم لحماية الأصول الوطنية الاستراتيجية من الضغوط السوقية والتأثير الأجنبي. ويشير الخبراء إلى أن هناك تحولاً نحو التركيز على الجانب غير التجاري، حيث تسعى الدول لاستخدام هذه الصناديق لتعزيز مصالحها الوطنية ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، مع تحكم أكبر في الأصول المملوكة للدولة.

في هذا السياق، تسعى ماليزيا أيضاً إلى توظيف رأس المال الحكومي في القطاعات ذات الأولوية، حيث أعلنت الحكومة عام 2024 عن خطة لتعبئة نحو 27 مليار دولار من صناديق الدولة. كما قادت Khazanah استحواذاً على مشغل المطار الوطني لضمان بقاء البنية التحتية الحيوية تحت السيطرة الحكومية. أما سنغافورة، فأنجزت إعادة هيكلة لصندوق Temasek في أغسطس 2025، ما منح مزيداً من الاستقلالية الاستراتيجية لمحفظة الاستثمارات.

تعكس هذه التحركات سعي الدول لزيادة سيطرتها على الموارد الوطنية، بما في ذلك رأس المال، لخدمة المصالح الوطنية في ظل تحولات اقتصادية وجيوسياسية عالمية، حيث بدأت الأسواق الحرة تتراجع تدريجياً أمام تدخل الدولة، في إطار اتجاه عالمي يعكس الصراع بين السوق المفتوحة والمصالح الاستراتيجية للدول.

هذه التطورات تؤكد أهمية مراقبة مدى قدرة هذه الصناديق على تحقيق أهدافها الوطنية، في ظل مخاطر محتملة تتعلق بالفساد وسوء تخصيص الموارد، فيما يعتبر النجاح في إدارة هذه الصناديق مؤشراً على تعزيز القدرة التنافسية للدولة.

(انتهى)

المصدر: مترجم من منتدى شر ق آسيا

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.