العمل الهجين: معادلة التوازن بين الإنتاجية وجودة الحياة

د.صالح بن محمد خير الكعود، باحث وأكاديمي في تنمية الموارد البشرية:

في أعقاب جائحة كورونا، تغيّر شكل العمل في العالم بصورة لم يشهدها القرن الحادي والعشرون من قبل. لم تعد المكاتب المغلقة ولا الاجتماعات الطويلة هي النموذج السائد، بل أصبح “العمل الهجين” (Hybrid Work)  الذي يجمع بين العمل من المكتب والعمل عن بُعد هو القاعدة الجديدة في عالم المؤسسات. تشير دراسة أجرتها شركة McKinsey & Company (2023) على أكثر من 12 ألف موظف في 10 دول إلى أن نحو 58% من الموظفين يفضّلون نموذج العمل الهجين لأنه يمنحهم مرونة أكبر وتحكمًا أفضل في وقتهم دون أن يقلل من إنتاجيتهم.

يبدو العمل الهجين لأول وهلة وكأنه الحل المثالي الذي يوازن بين متطلبات الحياة الشخصية واحتياجات العمل، لكنه في الواقع معادلة دقيقة تحتاج إلى إدارة ذكية للوقت، والثقة، والتكنولوجيا. فوفقًا لتقرير Microsoft Work Trend Index (2024)، ارتفعت إنتاجية الفرق التي اعتمدت أنظمة عمل مرنة بنسبة 27% مقارنة بالفرق التقليدية، إلا أن التقرير نفسه أشار إلى تزايد شعور 53% من الموظفين بالعزلة وفقدان التواصل الإنساني المباشر. هذه المفارقة تعكس أن العمل الهجين ليس مجرد “نظام جديد”، بل “ثقافة جديدة” تتطلب إعادة تصميم لطريقة القيادة وإدارة الموارد البشرية.

تُظهر الصورة نموذج العمل الهجين، حيث يجتمع الموظفون في المكتب مع زملائهم عن بُعد، مما يعكس التحول المستدام نحو مرونة التشغيل والتوازن بين الإنتاجية وجودة الحياة في المؤسسات الحديثة. (صورة: بيكسيل)

من الناحية المؤسسية، استفادت الشركات من تقليل النفقات التشغيلية وتحسين استبقاء الكفاءات. على سبيل المثال، أعلنت شركة Google في تقريرها السنوي لعام 2024 أنها خفّضت تكاليف المكاتب بنسبة 19% بفضل اعتمادها على سياسة العمل الهجين التي تسمح للموظفين بالحضور ثلاثة أيام في الأسبوع فقط. وفي المقابل، بيّنت دراسة لـ PwC (2024) أن 74% من المؤسسات العالمية وجدت أن سياسات العمل المرن ساهمت في تحسين رضا الموظفين وخفض معدلات الاستقالات الطوعية. هذه النتائج دفعت حكومات مثل سنغافورة وكندا إلى إدراج مفهوم “المرونة في العمل” ضمن سياساتها الوطنية لجذب الكفاءات وتعزيز الإنتاجية الوطنية.

لكن نجاح العمل الهجين لا يتحقق فقط عبر الأدوات الرقمية، بل يعتمد على القيادة التحفيزية القادرة على بناء الثقة عن بُعد. فالقائد الحديث مطالب اليوم بأن يكون “جسرًا بشريًا” يربط الموظفين رغم المسافات. دراسة Harvard Business Review (2023) أوضحت أن القادة الذين يستخدمون أدوات التواصل البصري المنتظم مثل مكالمات الفيديو والاجتماعات الأسبوعية القصيرة نجحوا في تقليص فجوات الثقة داخل فرقهم بنسبة 35%، مقارنة بمن اكتفوا بالتواصل الكتابي. ويؤكد خبراء القيادة أن التواصل الإنساني يظل جوهر العمل، مهما تطورت التكنولوجيا.

من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل تأثير العمل الهجين على الصحة النفسية وجودة الحياة. فبينما أتاح النظام الجديد حرية أكبر للموظفين، إلا أنه ألغى الحدود الفاصلة بين “العمل” و”المنزل”. دراسة Gallup (2024) أظهرت أن 41% من العاملين عن بُعد يعانون من صعوبة في الانفصال النفسي عن العمل بعد ساعات الدوام، وهو ما ينعكس على معدلات الإجهاد والاحتراق الوظيفي. وهنا يظهر دور الموارد البشرية في تصميم برامج “الرفاه المؤسسي” (Corporate Well-being) التي تشجع على التوازن بين الإنتاجية والصحة النفسية، مثل أيام الراحة الذهنية أو دعم العمل من أماكن بديلة.

أما من زاوية التنمية البشرية، فإن نموذج العمل الهجين فتح الباب أمام مفاهيم جديدة في التعلم والتطوير. فقد تبنت شركات عالمية مثل IBM وLinkedIn منصات تعليمية رقمية تتيح للموظفين تطوير مهاراتهم الذاتية في أوقات مرنة، مما ساعد على رفع معدلات المشاركة في التدريب بنسبة تجاوزت 60% مقارنة بفترة ما قبل الجائحة (LinkedIn Learning Report, 2024). هذا التكامل بين الحرية والمسؤولية جعل من الموظف “مالكًا لتطوره المهني”، وهو ما يتسق مع فلسفة تنمية الموارد البشرية الحديثة التي تركز على تمكين الإنسان لا مراقبته.

في المقابل، تواجه بعض المؤسسات تحديات حقيقية في تطبيق العمل الهجين، أبرزها ضعف الثقافة المؤسسية والتفاوت في الوصول إلى التكنولوجيا. ففي كثير من الدول النامية، ما تزال البنية التحتية الرقمية محدودة، مما يحدّ من فعالية التعاون عن بُعد. كما أن بعض المديرين ما زالوا يقيسون الأداء بعدد ساعات الحضور لا بمدى الإنجاز، وهو ما يتعارض مع روح العمل الهجين التي تقوم على الثقة والنتائج. ولذلك، يدعو World Economic Forum (2024) إلى إعادة صياغة مقاييس الأداء لتشمل مؤشرات الجودة، الإبداع، ورضا العملاء بدل التركيز على الزمن فقط.

خلاصة القول إن العمل الهجين ليس مرحلة مؤقتة بل نموذج مستدام يعيد تعريف علاقة الإنسان بالعمل. فهو يمنح المؤسسات مرونة تشغيلية غير مسبوقة، ويمنح الأفراد حرية تنظيم حياتهم بوعي أكبر. غير أن نجاح هذا النموذج مرهون بمدى قدرة القادة على الجمع بين التكنولوجيا والإنسانية، وبين الأتمتة والثقة، وبين الكفاءة والرحمة. في النهاية، سيبقى “العمل الهجين” مرآة لمدى نضج ثقافة المؤسسة وقدرتها على الموازنة بين العقل والإحساس في إدارة مواردها البشرية.

(انتهى)

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.