
عائشة ليلويان، كاتبة بريطانية مقيمة في إندونيسيا، تركّز في أعمالها على القانون، والجرائم الحقيقية، وحقوق الإنسان:
شهدت إندونيسيا الأسبوع الماضي عملاً عنيفًا غير مسبوق عندما انفجرت عبوات ناسفة في مجمّع مدرسي بالعاصمة جاكرتا أثناء صلاة الجمعة.
نُقل أكثر من 90 طالبًا إلى المستشفى، بعضهم مصاب بحروق وآخرون بشظايا الزجاج والمعدن المتطاير، من دون تسجيل وفيات.
المشتبه في تنفيذه الهجوم هو طالب يبلغ من العمر 17 عامًا في مدرسة مجاورة لم يُكشف عن اسمه. وقد نُقل أيضًا إلى المستشفى وخضع لجراحة بعد أن أصيب بدوره في الانفجارات. وتشير التحقيقات الأولية إلى أنه صنع سبع عبوات ناسفة بدائية في منزله، تعطل ثلاث منها عن الانفجار، بعدما تعلم تصنيع القنابل عبر “الدارك ويب”. وأوضح جهاز الشرطة الإندونيسي الثلاثاء الماضي أن بعض العبوات وُضعت داخل علب مشروبات غازية.

كما عثرت الشرطة في موقع الحادث على مسدسين بلاستيكيين مغطّيين بكتابات عشوائية تحمل أسماء منفذي عمليات إطلاق نار جماعية، مثل برينتون هاريسون تارانت، مرتكب مذبحة مسجدَي كرايستشيرش في نيوزيلندا عام 2019 التي قتل فيها 51 شخصًا، وأنطون لوند بيترسون الذي طعن معلّمًا وطالبًا حتى الموت في مدرسة بالسويد عام 2015.
إحدى اللعبتين حملت أيضًا عبارة “من أجل أغارثا”، في إشارة إلى نظرية المؤامرة المعروفة بـ “الأرض المجوّفة” التي تزعم وجود مملكة متقدّمة تعيش في قلب الأرض.
وبحسب قائد شرطة جاكرتا آسيب إدي سوهيرى، فقد استلهم المشتبه به أفكاره من هجمات نفّذها متطرفون من دعاة تفوّق العرق الأبيض ومجموعات نازية جديدة، رغم عدم انتمائه إلى أي شبكة متشددة معروفة. ويضيف سوهيري أن الدافع الظاهر للهجوم هو “الانتقام” من تنمّرٍ مزعوم ووحدة اجتماعية عانى منها الطالب. وقد يكون أيضًا متأثرًا بحوادث إطلاق نار مدرسية مشابهة، مثل مذبحة “كولومباين” في الولايات المتحدة عام 1999 التي قُتل فيها 12 طالبًا ومعلّم.
ورغم أن الإشارات التي استخدمها المشتبه به ليست جديدة عالميًا في سياق العنف المدرسي أو الهجمات ذات المرجعية اليمينية المتطرفة، فإن هذه هي المرة الأولى التي يقع فيها مثل هذا الهجوم في إندونيسيا، خصوصًا على يد شخص في هذا العمر.
هذا لا يعني أن إندونيسيا لم تشهد أعمال عنف. فقد عانت البلاد من هجمات تقودها أيديولوجيات راديكالية، أبرزها تفجير بالي عام 2002 الذي أسفر عن مقتل 202 شخص وإصابة أكثر من 200 آخرين، وتفجير فندق “جي دبليو ماريوت” في جاكرتا عام 2003 الذي أودى بحياة 12 شخصًا. كذلك نُفذت هجمات أخرى، منها الهجوم المزدوج على فندقي ريتز-كارلتون و”جي دبليو ماريوت” في 2009، وجميعها ارتكبها أفراد مرتبطون بجماعة “جماعة إسلامية”، التي كانت على صلة فضفاضة بتنظيم القاعدة قبل أن تعلن حلّ نفسها عام 2024.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت البلاد هجمات نفذها أعضاء جماعة “جماعة أنصار الدولة” (JAD)، المرتبطة بتنظيم “داعش”، من بينها الهجوم على ثلاث كنائس ومركز للشرطة في مدينة سورابايا عام 2018، الذي خلف 15 قتيلًا. كما نفّذت الجماعة هجومًا على كنيسة في ماكاسار عام 2021 خلّف 14 مصابًا.
ومع ذلك، تظل الهجمات المدرسية في إندونيسيا نادرة للغاية، وكذلك أعمال العنف التي تستلهم أفكارًا يمينية متطرفة من أوروبا وأوقيانوسيا وأمريكا الشمالية.
لكن في أجزاء أخرى من جنوب شرق آسيا، ظهرت مؤشرات مقلقة على انتشار أفكار اليمين المتطرف وتفوّق العرق الأبيض عبر الإنترنت دون ارتباط بجماعة محددة. فهذه الأيديولوجيات غالبًا ما تكون خليطًا غير متناسق من الأفكار والنظريات والمؤامرات، وليست منظومة متماسكة كالتي تتبعها الجماعات الراديكالية التقليدية. لكنها تعكس اتجاهًا متزايدًا لدى شباب يشعرون بالعزلة والغضب والإحباط—غالبًا من الذكور—للجوء إلى الإنترنت و”الدارك ويب”، بما يؤدي إلى عواقب مميتة.
في سنغافورة عام 2012، قُتل طالب يبلغ 13 عامًا على يد طالب آخر يبلغ 16 عامًا باستخدام فأس في هجوم مخطّط بعناية داخل حمّام المدرسة. وحُكم على الجاني بالسجن 16 عامًا بعد اعتبار مسؤوليته الجنائية ناقصة. وأفادت التقارير أنه طلب من الشرطة قتله في موقع الحادث، على غرار سيناريوهات “القتل-الانتحار” في مدارس الولايات المتحدة وأوروبا.
وفي سبتمبر من هذا العام، وُضع طالب عمره 14 عامًا في سنغافورة تحت أمر تقييدي بموجب قانون الأمن الداخلي بعدما تبين تأثره بمزيج (“سلطة خضار”) من الأفكار المتطرفة، شملت استلهامًا من “داعش” واليمين المتطرف. كما أفيد بأنه عرّف نفسه كـ “إنسيل”، أي “عازب قسريًّا”، وهو مصطلح شائع الاستخدام بين بعض الرجال الذين يعجزون عن إقامة علاقات عاطفية أو جنسية.
بالعودة إلى هجوم جاكرتا، فقد حرصت الشرطة الإندونيسية حتى الآن على عدم وصفه بأنه “عمل إرهابي” أو “هجوم بدوافع دينية”، رغم وقوعه أثناء صلاة الجمعة. كما ليس واضحًا إلى أي مدى كان المهاجم مؤمنًا فعلًا بأيديولوجيات متطرفة أو ما إذا كان مجرد متأثر بنظريات مؤامرة وشخصيات يمينية عبر الإنترنت. لكن مجرد تنفيذ الهجوم يطرح سؤالًا مهمًا: هل يهم حقًا ما إذا كان المهاجم يتبنّى تلك الأفكار بجدية أم لا، طالما أنه مضى في تنفيذ فعلٍ قاتل؟
في الماضي، كان الانخراط في التطرف في إندونيسيا يعني غالبًا الانضمام إلى جماعة فعلية يتعرّف أعضاؤها على بعضهم ويلتقون بانتظام. وكانت هذه الجماعات تتبع تسلسلًا قياديًا صارمًا وقواعد سلوك، ويمنح أعضاؤها أدوارًا ومهامًّا تُترجم أحيانًا إلى هجمات منظمة.
لكن الإنترنت غيّر كل ذلك.
ففي عالم يستطيع فيه أفراد محبطون التورط في “جحور رقمية” تعزز رؤاهم العنيفة—مهما بدت عبثية—يبقى السؤال:
هل يمهّد هجوم جاكرتا لظهور شكل جديد وقاتل من التطرف في جنوب شرق آسيا؟
(انتهى)
المصدر: مترجم من موقع ذا ديبلومات








أضف تعليق