ماليزيا تعلن مطاردة كبرى لعصابات تهريب البشر بعد فاجعة الروهينغا

كوالالمبور 19 نوفمبر: قالت السلطات الماليزية إن الفتى الروهينغي علي شفيق، البالغ من العمر 15 عامًا، عُثر عليه في حالة جوع شديد ورعب واضح بعد أن ظل متمسكًا بلوح طافٍ فوق سطح البحر لمدة تجاوزت ثلاثة أيام عقب غرق قارب يقل عشرات اللاجئين في المياه المشتركة بين ماليزيا وتايلند قبل أسبوع.

وتمكنت قوات خفر السواحل الماليزية من إنقاذه باستخدام زورق سريع قبل نقله إلى قاعدة بحرية في جزيرة لانكاوي، حيث قُدّم له العصير وكيس من البطاطا المقرمشة، وبدت عليه علامات الدهشة وكأنه لم يتناول طعامًا مشابهاً من قبل، نتيجة معاناته الطويلة في عرض البحر. ويعد شفيق آخر الناجين الذين تم العثور عليهم من ركاب القارب المنكوب الذي كان يقل نحو 70 لاجئًا، بينما تواصل السلطات البحث عن المفقودين.

خفر السواحل الماليزي ينقذ أحد الناجين الروهينغا قرب لانكاوي خلال مواصلة البحث عن المفقودين في بحر أندامان. (صورة: الجزيرة نت)

وحسب تقرير للجزيرة.نت جاء العثور على الفتى بعد جهود بحث وإنقاذ واسعة نفذتها البحرية الملكية الماليزية وخفر السواحل والشرطة والدفاع المدني، وذلك عقب تلقي بلاغات عن غرق قارب مكتظ باللاجئين فور مغادرته سفينة كانت تحمل نحو 300 شخص، حيث انتقل عشرات الركاب إلى القارب الصغير الذي ما لبث أن غرق بعد وقت قصير نتيجة الحمل الزائد واشتداد الأمواج الموسمية.

وتقول السلطات إن عدد الناجين توقف عند 14 شخصًا فقط بعد مرور أسبوع على عمليات البحث، بينما جرى انتشال نحو 30 جثة، ولا يزال مصير العشرات مجهولاً، إضافة إلى عدم معرفة وضع السفينة الأم التي يُعتقد أنها كانت تحمل نحو 230 راكبًا قبل اختفاء أثرها.

وحاولت الجزيرة.نت استقصاء رواية الفتى من خلال ناشط من الروهينغا يعمل في جمعية خيرية، عبر ترجمة هاتفية متقطعة بسبب حاجز اللغة الذي يعيق المحققين والجهات المختصة من جمع المعلومات الدقيقة حول عدد المفقودين، ومسار الرحلة، وحجم تورط شبكات تهريب البشر في هذه العملية. وتشير الرواية الأولية التي نقلها الفتى إلى أنه كان يعيش في مدينة أراكان في ميانمار، قبل أن ينتقل إلى بنغلاديش ومنها انطلقت الرحلة البحرية التي استغرقت ثمانية أيام حتى وصلت إلى المياه المشتركة بين تايلند وماليزيا، حيث تم إجبارهم على الانتقال إلى قارب أصغر.

ويقول من لهم خبرة في قضايا تهريب البشر إن المهربين يلجؤون عادةً لهذا التكتيك لتفادي تعقب قوات خفر السواحل بإجبار اللاجئين على النزول إلى قوارب صغيرة يسهل التخلص منها، في حين تواصل السفينة الأم طريقها بعيدًا عن الرصد، ما يجعل هذه الرحلات شديدة الخطورة وتفتقر إلى أبسط قواعد السلامة.

وتُحمّل الحكومة الماليزية المسؤولية كاملة لعصابات الجريمة المنظمة المتورطة في تهريب البشر، إذ صرّح وزير الداخلية الماليزي سيف الدين نوتسيون بأن هذه العصابات تستغل الفقراء والمضطهدين، خصوصًا من الروهينغا، لتحقيق مكاسب مالية ضخمة عبر تنظيم رحلات بحرية غير شرعية عبر بحر أندامان المتصل بالمحيط الهندي. وأوضح الوزير أن التحديات التي تواجه عمليات البحث والإنقاذ تشمل الأمطار الموسمية والعواصف الشديدة التي تزيد من صعوبة الوصول إلى ناجين، إضافة إلى اتساع رقعة البحث التي تتجاوز 255 ميلًا بحريًا مربعًا.

وقال الوزير في تصريح خاص للجزيرة نت إن التنسيق بين ماليزيا وتايلند يجري على مدار الساعة لتعقب المتورطين وإنقاذ من يمكن إنقاذه، واصفًا ما حدث بأنه “كارثة إنسانية” تتطلب محاسبة كل من تورط في تهريب هؤلاء المستضعفين. وأضاف أن ماليزيا تسعى لتحسين تصنيفها الدولي في مكافحة تهريب البشر، وأنها تعمل ضمن المعايير الأميركية للوصول إلى مستوى أفضل من الرقابة والمحاسبة. وأكد أنه لا يوجد نقص في المعدات أو التكنولوجيا اللازمة لعمليات البحث، لكنه تعهد بتزويد البحرية وخفر السواحل والشرطة بمعدات مراقبة إضافية بحرًا وجوًا وبرًا، بما يضمن رفع مستوى الجاهزية في مواجهة تزايد نشاط شبكات التهريب.

ومن جانبه، قال قائد خفر السواحل في شمال ماليزيا، الأدميرال رملي مصطفى، إن قواته ترصد سنويًا نحو أربعة قوارب تقل أغلبها لاجئين من الروهينغا، مشيرًا إلى أن عمليات الغرق تتكرر في مواسم الأمطار والرياح الموسمية بسبب اعتماد المهربين على سفن قديمة متهالكة تعمل فوق طاقتها. وأكد أن هذا الحادث يعكس تزايد جرأة عصابات التهريب وانتقالها إلى أساليب أكثر خطورة.

إلى جانب ذلك، قالت منظمات حقوقية وإنسانية إن جذور الأزمة تعود إلى “الاضطهاد المنظم” الذي تتعرض له عرقية الروهينغا في ميانمار، وما تبع ذلك من تدهور اقتصادي وإنساني وأمني منذ انقلاب الأول من فبراير 2021. ودعت منظمة حقوقية مختصة بمتابعة أوضاع الروهينغا (مقرها ماليزيا) إلى وقف “جرائم التطهير العرقي” التي وصفتها بأنها متواصلة بحق الروهينغا على يد حكومة ميانمار وجيش أراكان.

كما دعا “مجلس تنسيق الهيئات الإسلامية الماليزية” منظمة آسيان إلى تجاوز التعامل التقليدي مع أزمة الروهينغا على أنها قضية “لاجئين غير نظاميين”، واعتبارها قضية حقوق إنسان جوهرية تتطلب معالجة سياسية مباشرة. وقال رئيس المجلس عزمي عبد الحميد إن أصل الأزمة يتمثل في سحب حق المواطنة من الروهينغا عام 1982، وإن تجاهل هذه الجذور يجعل الكارثة تتكرر سنويًا مع مزيد من الضحايا.

(انتهى)

المصدر: ترست-تايمز، الجزيرة نت

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.