
د.صالح بن محمد خير الكعود، باحث وأكاديمي في تنمية الموارد البشرية:
لم يعد السؤال اليوم هو: “هل يحصل الطالب على شهادة جامعية؟” بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: “هل هذه الشهادة تجهّزه لمهن المستقبل؟”. في عالم تتحرك فيه التكنولوجيا بسرعة غير مسبوقة، ومع ظهور وظائف جديدة تختفي أخرى، أصبح الفارق بين التعليم الأكاديمي والمهارات العملية فجوة حقيقية تزداد اتساعًا عامًا بعد عام. تقرير World Economic Forum (2023) يؤكد أن 44% من المهارات الأساسية في سوق العمل ستتغير خلال أقل من خمس سنوات، وأن 6 من أصل 10 وظائف عالمية تتطلب مهارات رقمية أو تحليلية لم تكن جزءًا من المناهج الجامعية التقليدية قبل عقد من الزمن. هذا التحول يضع الجامعات اليوم أمام اختبار وجودي: هل هي قادرة على مواكبة مستقبل الوظائف، أم أنها ما زالت تكرر نماذج تعليمية وُضعت لعالم لم يعد موجودًا؟
وعند النظر إلى الواقع العملي، يتضح أن الكثير من الخريجين يواجهون صعوبة حقيقية في الاندماج في سوق العمل، ليس بسبب ضعف التحصيل الأكاديمي، بل بسبب غياب المهارات التطبيقية المطلوبة. دراسة McKinsey & Company (2024) التي شملت أكثر من 18 دولة، كشفت أن 43% من أصحاب الأعمال يرون أن الخريجين يفتقدون للمهارات العملية الأساسية مثل حل المشكلات، التكيف، العمل الجماعي، والقدرة على استخدام الأدوات الرقمية. وقد أكد 39% منهم أن الجامعات ما تزال تُدرّس مناهج لا تعكس تحديات سوق العمل الفعلي، خاصة في مجالات مثل تحليل البيانات، الأمن السيبراني، القيادة الرقمية، والذكاء الاصطناعي. هذه الأرقام تعكس وجود فجوة حقيقية بين “ما يتعلمه الطلاب” و”ما يحتاجه أصحاب العمل”.

وفي مثال حي، صرّحت شركة Google في تقريرها لعام 2024 أن أكثر من 60% من المتقدمين للوظائف التقنية يفتقدون للمهارات العملية رغم حصولهم على درجات أكاديمية متقدمة. ولهذا السبب أطلقت الشركة برامج تدريبية قصيرة (Google Career Certificates) تركز على اكتساب المهارات العملية مباشرة بدلاً من الاعتماد على الخلفية الجامعية. وبمقاربة مشابهة، أعلنت IBM في 2023 أنها لم تعد تشترط الشهادة الجامعية في 50% من وظائفها التقنية، لأنها وجدت أن الأداء العملي والقدرة على التعلم الذاتي أهم بكثير من الامتحانات الأكاديمية التقليدية.
وبينما تملك الجامعات دورًا محوريًا في تشكيل الأساس العلمي والفكري للطلاب، إلا أن الاعتماد المطلق على التعليم النظري يجعل الخريج غير قادر على العمل في بيئات حقيقية تعتمد على السرعة، الإبداع، والعمل التعاوني. فالمهارات الأكثر طلبًا اليوم — مثل التفكير النقدي، استخدام البيانات، الذكاء العاطفي، إدارة المشاريع، والبرمجة — لا يمكن اكتسابها فقط من خلال المحاضرات، بل عبر بيئات تعلم نشطة وتجارب تطبيقية. تقرير PwC (2024) أظهر أن 74% من الموظفين يرون أن تعلمهم الحقيقي جاء من المشاريع العملية والتدريب، وليس من الفصول الجامعية. وهذا ما يفسر توجه الشركات العالمية نحو الشراكات مع الجامعات لإنشاء مختبرات مهارية (Skills Labs) ومسارات تعليمية تطبيقية.
ولا يمكن تجاهل أن العديد من الأنظمة الجامعية العربية والآسيوية ما تزال تعتمد على مناهج لم يتم تحديثها منذ عشر سنوات أو أكثر. فبينما يفتح العالم أبوابه لمهن مثل: Data Scientist، UX Designer، Digital HR Analyst، AI Trainer، ما تزال بعض الجامعات تدرّس مقررات بعيدة تمامًا عن متطلبات هذه المهن. دراسة UNESCO (2023) تشير إلى أن 55% من برامج الجامعات في الدول النامية تفتقر إلى أي محتوى متعلق بالذكاء الاصطناعي أو التحليل الرقمي، رغم أن هذه المهارات أصبحت جزءًا أساسيًا من 80% من الوظائف الحديثة.
ومن ناحية أخرى، تلعب المهارات الإنسانية (Human Skills) دورًا لا يقل أهمية عن المهارات التقنية. فحتى مع صعود الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يبقى الإنسان مطلوبًا في مجالات القيادة، الإبداع، حل النزاعات، التعاطف، والتواصل. تقرير LinkedIn Learning (2024) صنّف الذكاء العاطفي والتفكير الإبداعي والتواصل الفعال على أنها المهارات الأكثر بحثًا من قبل أصحاب العمل عالميًا. وهذا يعني أن الجامعات لا تحتاج فقط إلى إدخال التكنولوجيا في المناهج، بل إلى إعادة بناء طرق التدريس ذاتها لتُعزّز مهارات التفكير لا مهارات الحفظ.
وعند تحليل أسباب الفجوة بين الجامعات وسوق العمل، يتضح أن أحد أهم الأسباب هو غياب الشراكات الحقيقية بين الجامعات والمؤسسات. ففي الدول التي استطاعت ردم الفجوة — مثل سنغافورة، فنلندا، وكندا — اعتمدت الجامعات على نظام “التعلم التكاملي” الذي يدمج التدريب العملي في كل فصل دراسي، ويمنح الطلاب مشاريع صناعية حقيقية تحاكي بيئة العمل. وقد أثبت هذا النموذج فعاليته، حيث تشير بيانات Singapore Ministry of Education (2024) إلى أن 92% من خريجيها يحصلون على وظائف خلال ستة أشهر فقط من التخرج، بفضل المهارات العملية التي اكتسبوها منذ سنوات الدراسة.
إن مستقبل التعليم العالي لن يكون مجرد قاعات وجداول ومحاضرين، بل منظومة تعليمية مرنة تجمع بين الجامعات والشركات وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. فالطالب اليوم لا يريد فقط المعرفة، بل يريد القدرة على تطبيقها والمنافسة بها في سوق عالمي شديد التغير. وهذا يفرض على الجامعات مسؤولية كبيرة: عليها أن تتحول من “مؤسسات تمنح شهادات” إلى “مؤسسات تبني قدرات”.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل الجامعات تجهّز الخريجين لمهن الغد؟ الجواب يعتمد على مدى قدرتها على التغيير. فالعالم يتغير بسرعة، وسوق العمل يتغير أسرع، لكن الجامعات — إذا أرادت مواكبة المستقبل — عليها ألا تكتفي بتحديث المناهج، بل أن تعيد تعريف فلسفة التعليم نفسها: تعليم يرتبط بالواقع، ويتنفس المستقبل، ويصنع إنسانًا قادرًا على الإبداع لا مجرد موظف يبحث عن وظيفة.
(النهاية)







أضف تعليق