جاكرتا 24 نوفمبر: شهدت اندونيسيا تصاعدًا كبيرًا في التوتر داخل “جمعية نهضة العلماء”، أكبر منظمة إسلامية في البلاد، بعدما طالبت قيادتها من رئيسها يحيى خليل ثقوف تقديم استقالته خلال ثلاثة أيام، إثر استضافته عالمًا أمريكيًا معروفًا بدعمه للاحتلال الإسرائيلي خلال فعالية داخلية في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية في غزة منذ عام 2023.
وقالت قيادات الجمعية في محضر اجتماع رسمي إن الاستضافة لم تكن مجرد “دعوة عابرة” بل خرق واضح لمبادئ المنظمة ومواقفها التقليدية المؤيدة لفلسطين، مشيرة إلى أن خطوة الرئيس أثارت غضب القيادات والقواعد على حد سواء، ودفعته إلى مواجهة تهديد مباشر بالإقالة إذا لم يقدم استقالته طواعية خلال المهلة المحددة.
كما أوضحت الجمعية أن الإشكال لم يتوقف عند الدعوة وحدها، بل ارتبط — وفق ما ورد في المحضر نفسه — بـ”سوء إدارة مالية” تتعلق بطرق صرف الأموال داخل مؤسساتها، وهو ما اعتبرته القيادة سببًا إضافيًا يعزز ضرورة تغيير رأس المنظمة. وتضيف الجمعية أن تزامن تلك الأخطاء مع ظرف سياسي حساس في القضية الفلسطينية يجعل الخطوات التصحيحية “مسؤولية قيادية لا تحتمل التأجيل”، خصوصًا وأن اسم المدعو الأمريكي مرتبط كتابيًا وإعلاميًا بشبكات داعمة للاحتلال الإسرائيلي.

وتشير المعلومات إلى أن الدعوة وُجِّهت لشخص يُدعى بيتر بيركوفيتش (Peter Berkowitz)، وهو عالم أمريكي معروف بمواقفه الداعمة للحملة العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسبق له نشر مقال في سبتمبر دافع فيه عن الاحتلال في مواجهة الاتهامات الدولية بالإبادة الجماعية في غزة. وجاءت دعوته، بحسب المصادر، خلال فعالية داخلية في أغسطس، قبل أن تتكشّف خلفياتها داخل الجمعية وتتحول إلى أزمة داخلية واسعة.
وتشكّل هذه الخطوة ضربة كبيرة ليحيى خليل ثقوف ثبات، الذي حاول احتواء الغضب بإصدار بيان اعتذار، قال فيه إنه “لم يتحقق بعناية من خلفية بيركوفيتش” وإن الدعوة حصلت “سهوًا”، مضيفًا أنه “يدين أعمال الإبادة الجماعية الوحشية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة”. ورغم ذلك، لم تقتنع القيادة العليا للجمعية بصيغة الاعتذار، معتبرة أن الضرر التنظيمي وقع بالفعل، وأن شرح الرئيس “لا يبرر السماح بفتح منصة داخلية أمام شخصية ذات موقف ثابت في دعم العمليات الإسرائيلية”.
وتُعد “نهضة العلماء” واحدة من أهم المؤسسات الدينية في اندونيسيا والعالم الإسلامي، إذ تضم نحو مئة مليون عضو ومنتسب، وتدير مئات المدارس والجامعات والمراكز الدينية والاجتماعية. كما تلعب دورًا كبيرًا في صياغة الخطاب الإسلامي المعتدل داخل اندونيسيا، ما يجعل أي اضطراب داخل قيادتها حدثًا ذا تأثير وطني واسع. وتنسجم مواقفها التقليدية مع الموقف الرسمي لاندونيسيا التي لا تقيم أي علاقة دبلوماسية مع الاحتلال الإسرائيلي، وتدين عملياته العسكرية في غزة منذ اندلاع الحرب عام 2023، وتؤكد دائمًا دعمها لحل الدولتين.
الرئيس المهدَّد بالإقالة رفض تقديم استقالته الفورية، مشيرًا إلى أن ولايته تمتد لخمس سنوات، وأنه “لا يرى سببًا يلزمه بالتخلي عن منصبه قبل انتهاء فترة التكليف”. هذا الرفض فتح بابًا جديدًا من الجدل بين قيادات الجمعية، التي لوّحت، وفق المحضر، باتخاذ “إجراءات تنظيمية حاسمة” إذا لم يستجب خلال المهلة.
وتضيف المصادر أن الجدل تجاوز حدود الجمعية ليصل إلى النقاش العام، حيث تتفاعل القضية في بلد يشكّل دعم فلسطين فيه جزءًا من القيم الوطنية. ويرى مراقبون أن الأزمة قد تعيد فتح نقاشات قديمة داخل “نهضة العلماء” حول إدارة المؤسسة، وحول مدى التزامها بالمواقف التاريخية تجاه القضية الفلسطينية.
(انتهى)
المصادر: ترست-تايمز







أضف تعليق