
عبدالله بوقس، كاتب وصحفي مهتم بشؤون جنوب شرق آسيا:
في القمة السابعة والأربعين لرابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي استضافتها كوالالمبور أواخر أكتوبر 2025، مدّ رئيس وزراء تيمور-ليستي كاي رالا زانانا غوسماو يده في جيب بدلته، وأخرج حفنة من الحلوى يوزّعها على الصحفيين بابتسامة ودودة. لم يكن المشهد مجرد لفتة بروتوكولية، بل انعكاسًا لأسلوب جديد في التواصل السياسي، “دبلوماسية الحلوى”، حيث تتحوّل البساطة إلى لغة قوة، واللطف إلى أداة تأثير.
تيمور-ليستي، أو جمهورية تيمور الشرقية الديمقراطية، دولة صغيرة تقع بين إندونيسيا وأستراليا، لا تتجاوز مساحتها 15 ألف كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها نحو 1.4 مليون نسمة. بعد أكثر من 24 عامًا على استقلالها عام 2002 من الاحتلال الإندونيسي، تسعى الدولة لأن تبرهن أن الحضور الإقليمي لا يُقاس بالحجم، بل بالقدرة على تحويل الجراح إلى مشروع وطني.
كانت القمة تحمل في طياتها حدثًا استثنائيًا تمثّل في انضمام تيمور ليستي كعضوٍ حادي عشر في رابطة (آسيان)، لتُطوى بذلك صفحةُ انتظارٍ دام عقودًا. وحين رُفع علمها إلى جانب أعلام الدول العشر الأخرى، لم يكن المشهد مجرد بروتوكول شكلي يمرّ مرور العابرين، بل لحظة فارقة استعاد فيها بلدٌ خرج من العزلة موقعه داخل قلب الجغرافيا الآسيوية؛ لحظة بدت فيها الأقمشة الملوّنة كأنها تستعيد ذاكرة شعبٍ ناضل طويلاً ليكون جزءًا من الحاضر، لا هامشًا في هوامش الخرائط.

من الميدان إلى الدولة
وُلد كاي رالا زانانا غوسماو عام 1946، وبدأ مسيرته المهنية في الصحافة عبر صحيفة A Voz de Timor التي كانت منابر المقاومة الفكرية ضد الاستعمار البرتغالي. لكن غزو إندونيسيا عام 1975 غيّر مسار حياته، فانضم إلى جبهة التحرير الوطني (فريتلين) وقاد جناحها العسكري (فالنتيل) خلال حرب العصابات التي استمرت سبعة عشر عامًا. في الجبال كتب قصائده الأولى عن الحرية، وفي السجن صاغ فلسفته السياسية. ففي مذكراته أن تقاوم يعني أن تنتصر كتب: “قد يسرق الاحتلال أرضك، لكنه لا يستطيع أن يسرق قدرتك على الحلم.”
اعتُقل عام 1992، وقضى سبع سنوات في سجن سيبينانغ بجاكرتا، حيث درس القانون والفلسفة وتعلم اللغتين الإندونيسية والإنجليزية. وعندما أُفرج عنه عام 1999، عاد بمشروع مصالحة لا انتقام. قاد مرحلة الانتقال السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة، وانتُخب أول رئيس لجمهورية تيمور-ليستي في 20 مايو 2002، مؤسسًا لسياسة تقوم على السلام لا الثأر، وعلى التنمية بدل العزلة. ومنذ ذلك الحين، سواء في الرئاسة أو في رئاسة الوزراء (2007–2015، و2023–حتى الآن)، يجسّد غوسماو التيار الواقعي في السياسة التيمورية، الموازن بين كرامة التاريخ ومتطلبات الحاضر. وهو يرى أن القيادة ليست في البقاء طويلًا في الحكم، بل في ترسيخ مؤسساتٍ قادرةٍ على الصمود بعد القائد — وهي الفلسفة التي جعلت تيمور-ليستي تُصنَّف اليوم ضمن أكثر الأنظمة الديمقراطية استقرارًا في آسيا، وفق مؤشر (إيكونوميست إنتيليجينت 2024).
من الحلم إلى الانتماء
في 26 أكتوبر 2025، تحقّق الحلم، حيث رفعت تيمور-ليستي علمها رسميًا داخل قاعة قمة آسيان في كوالالمبور، لتصبح العضو الحادي عشر في رابطة آسيان — أول توسعة للرابطة منذ عام 1999. وقد وقّع زعماء الدول العشر الأعضاء «إعلان كوالالمبور» الذي منح العضوية الكاملة لتيمور-ليستي، في لحظة وصفها غوسماو والدموع تملأ عينيه بأنها “يوم يصنع التاريخ”. وقال في كلمته “بالنسبة لشعب تيمور-ليستي، لم يكن هذا حلمًا فحسب، بل تأكيدًا قويًا على رحلتنا، رحلة وُسمت بالصمود والعزم والأمل.” وأضاف: “انضمامنا شهادة على روح شعبنا — ديمقراطية فتية وُلدت من رحم المعاناة.”
من جانبه، قال رئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم إن “انضمام تيمور-ليستي يُكمل أسرة آسيان، ويؤكد مصيرنا المشترك وإحساسنا العميق بالانتماء الإقليمي.” وأشار إلى أن “تطور تيمور-ليستي واستقلالها الاستراتيجي سيجدان دعمًا راسخًا داخل هذا المجتمع.”
يمثّل هذا الحدث لحظة مفصلية لبلد نال استقلاله عام 2002 بعد استفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة، منهياً 24 عامًا من الاحتلال الإندونيسي. ورغم اهتمامها المبكر بالانضمام إلى آسيان، لم تقدّم تيمور-ليستي طلب العضوية رسميًا إلا عام 2011، قبل أن توافق الرابطة من حيث المبدأ على عضويتها في قمة 2022.
دلالات اقتصادية وسياسية
يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لتيمور-ليستي نحو 2 مليار دولار أمريكي (2024)، ويعتمد اقتصادها بنسبة 80% على عائدات النفط والغاز، بينما يعيش 42% من سكانها تحت خط الفقر، وفق بيانات البنك الدولي. ومع ذلك، تمتلك البلاد صندوقًا سياديًا يتجاوز 18 مليار دولار، وتعمل على توجيه عوائده نحو التعليم والتنمية البشرية بدل الإنفاق الاستهلاكي.
ويرى غوسماو أن عضويته في آسيان تفتح أمام بلاده “فرصًا هائلة للتجارة والاستثمار الإقليمي”، لكنها أيضًا “مسؤولية مشتركة لإعادة تعريف معنى التعاون داخل آسيان”. فالدولة الصغيرة، رغم محدودية اقتصادها، تسعى لخفض اعتمادها على النفط من خلال تنويع مصادر الدخل في الزراعة العضوية والسياحة البيئية والطاقة المتجددة والتعليم التقني.
تشير تقديرات البنك الدولي (2024) إلى أن الاقتصاد مرشّح للنمو بنسبة 4.1% في عامي 2024 و2025 بفضل استقرار الإنفاق العام وتوسع مشاريع البنية التحتية. وتعمل الحكومة على جذب استثمارات من إندونيسيا وأستراليا عبر اتفاقيات ثنائية في مجالات الطاقة النظيفة والاتصالات والنقل البحري.
اجتماعيًا، تسعى تيمور-ليستي من خلال خطة التنمية الوطنية 2030 إلى خفض معدلات الفقر إلى أقل من 25% ورفع نسب التعليم إلى 90% بحلول نهاية العقد، مع تمكين الشباب والنساء في المناطق الريفية، وهو ما يجعلها نموذجًا للتنمية المتوازنة بين العدالة الاجتماعية والاستدامة الاقتصادية.
بين المبدأ والسياسة
تاريخ تيمور-ليستي في مقاومة الاستعمار جعلها صوتًا صريحًا في قضايا العدالة وحقوق الإنسان داخل المنطقة، ولا سيما في ملف ميانمار. فقد التقى كبار قادتها، بمن فيهم الرئيس خوسيه راموس-هورتا، بممثلي حكومة الوحدة الوطنية المعارضة، وسمحوا لها بفتح مكتب اتصال في ديلِي. إلا أن الموقف تغيّر مؤخرًا بعد أن طردت ميانمار أكبر دبلوماسي تيموري من أراضيها، فتعهد وزير الخارجية بانديتو دوس سانتوس فريتاس خلال زيارته نايبيداو الشهر الماضي بعدم “السماح لأنشطة المنظمات غير الشرعية” على أراضي بلاده، في انسجامٍ مع مبدأ عدم التدخل الذي تقوم عليه آسيان.
هذا التوازن بين المبدأ والسياسة يُجسد إدراك ديلِي أن العضوية ليست مجرّد مكافأة رمزية، بل التزام بمعايير العمل الإقليمي الجماعي. فالانضمام إلى كتلة تضم 680 مليون نسمة يعني أيضًا قبول قيودها الدبلوماسية، حيث تُقدَّم التوافقات على الصدامات العلنية.
التحدي القادم لآسيان
تُعدّ عضوية تيمور-ليستي أول توسعة لرابطة آسيان منذ انضمام كمبوديا عام 1999، لتُكمل بذلك الخارطة السياسية لدول جنوب شرق آسيا. غير أن هذا الانضمام يضع الرابطة أمام تحديات جديدة. فاقتصاد تيمور-ليستي هو الأصغر بين الدول الأعضاء، ونصيب الفرد من الناتج المحلي هو الثاني الأدنى بعد ميانمار، ما يزيد الفجوة الاقتصادية داخل الكتلة ويعقّد تنفيذ رؤية «مجتمع آسيان الاقتصادي» الذي يهدف إلى تحقيق تكامل تدريجي بين أعضائها.
ويرى بعض المحللين أن اتساع التنوع السياسي والاقتصادي سيجعل التوافق داخل آسيان أكثر صعوبة، خصوصًا في الملفات الخلافية مثل أزمة ميانمار أو نزاعات بحر الصين الجنوبي. وفي حين كانت سنغافورة قد عارضت عام 2011 انضمام ديلِي معتبرة أنها “غير جاهزة بعد لمتطلبات العضوية”، يرى آخرون أن انضمامها أمر لا مفر منه لإكمال هوية آسيان الجغرافية والسياسية معًا.
حين تبتسم السياسة
المشهد الذي بدأ بحفنة من الحلوى اختصر رحلة أمة بأكملها، من الصحافة إلى الجبال، ومن السجون إلى قاعات القمم. فالحلوى التي وزّعها غوسماو لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل تعبيرًا عن فلسفة سياسية ترى أن القيادة الحقيقية تُمارس بالإنسانية لا بالهيمنة.
وبينما تتسابق القوى الكبرى على رسم خرائط النفوذ في آسيا، ترسم تيمور-ليستي بخط صغير وواثق موقعها الجديد. هي دولة صغيرة بحضورٍ رمزي كبير، تذكّر العالم بأن السياسة يمكن أن تبتسم دون أن تفقد هيبتها، وأن التاريخ لا يُكتب بالكلمات وحدها، بل أحيانًا… بحفنة حلوى.
(انتهى)







أضف تعليق