
عبدالله بوقس، كاتب وصحفي مهتم بشؤون جنوب شرق آسيا:
تستعد ماليزيا في يناير المقبل لاستقبال أربعين شابًا من جميع الدول الإحدى عشرة في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، في برنامج إقليمي مكثّف يهدف إلى تحويل مفهوم السلام إلى مهارة عملية تُمارَس وتُكتسَب.
المبادرة، التي ينفّذها نادي روتاري إيبوه سنترال بالشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان في ماليزيا، وجامعة صنواي، وشبكة روتاري آسيان، إضافة إلى معهد الاقتصاد والسلام، ومنظمة (وسطاء ما وراء الحدود الدولية)، تمثل خطوة غير تقليدية في منطقة اعتادت التوترات الحدودية، والتنوع الحاد، وتفاوت التنمية، لكنها اعتادت أيضًا التعاون والتماسك الإقليمي.
سلام يُبنى من داخل آسيان نفسها
حين يجتمع الشباب من بروناي إلى تيمور الشرقية حول طاولة واحدة، فإن أول ما يظهر ليس الفروق، بل الحاجة الملحّة لفهم مشترك. ولهذا يبدأ البرنامج من إطار «السلام الإيجابي» الذي يقدمه معهد الاقتصاد والسلام—منهج يركز على جذور الاستقرار: مؤسسات شفافة، مجتمع متماسك، عدالة قانونية، وفرص متوازنة.
وفي سياق آسيان، يصبح هذا المنهج أقرب إلى قراءة واقع حيّ منه إلى مادة أكاديمية؛ فهذه منطقة تُجاور فيها الديانات والأعراق واللغات، وتختلط فيها المدن العالمية بالقرى المعزولة، وتلتقي فيها الدول الغنية بالدول الأقل نموًا في محيط سياسي واحد.
ماليزيا، بخلفيتها متعددة الثقافات، تقدّم نموذجًا عمليًا لهذا التعايش. وهكذا لا يتعلّم المشاركون السلام من القاعات فقط، بل من بيئة يومية تعيش فيها جماعات مختلفة دون خوف من اختلافها. ومع تبادل القصص—من أزمات ميانمار العرقية، إلى تحديات المناخ في الفلبين، إلى الفقر الريفي في لاوس—يكتشف الشباب أن آسيان ليست مجرد تجمع سياسي، بل تجربة بشرية تحتاج إلى من يفهمها قبل من يحكمها.
دبلوماسية يقودها شباب آسيان، لا حكوماتها
تشير تقارير الأمم المتحدة لعام 2023 إلى أن 42% من النزاعات المحلية في آسيا يمكن الحد منها عبر مبادرات وساطة تقودها المجتمعات المحلية. هذا الرقم، في سياق آسيان، يعني الكثير؛ فالمنطقة تضم مساحات نزاع تمتد من الجنوب الفلبيني إلى الحدود التايلندية-الكمبودية، ومن ولايات ميانمار الداخلية إلى مناطق حساسة في إندونيسيا.
من هنا يظهر دور منظمة (وسطاء ما وراء الحدود الدولية)، التي تقدّم للمشاركين تدريبًا قائمًا على محاكاة لحالات حقيقية: خلافات طائفية، توتر سياسي، نزاع على الموارد. يعيد البرنامج تذكير الشباب بأن النزاعات تبدأ عندما يتوقف الناس عن الاستماع، وأن الوساطة ليست تقنية محايدة، بل مهارة تتطلب وعيًا نفسيًا وشجاعة تعلم كيف تُدار المشاعر الجماعية.
ويأتي دور صندوق الأمم المتحدة للسكان ليُضيف بُعدًا آخر: فالسلام ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل مشروعًا اجتماعيًا يرتبط بالصحة النفسية، والمساواة بين الجنسين، وحماية الفئات الضعيفة. وتشير تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى أن الاستثمار في رفاه الشباب—خصوصًا في الصحة والتعليم والوقاية—يُنتج عوائد اجتماعية واقتصادية واسعة، أبرزها خفض معدلات المخاطر، وتحسين جودة الحياة، وزيادة قدرة المجتمعات على الصمود. وهذا البعد يجعل مشاركة الصندوق في البرنامج ركيزة أساسية في تشكيل جيل شبابي قادر على بناء سلام مستدام في آسيان.

جيل يصوغ سردية جديدة لآسيان
مع انطلاق التدريب المنتظر في يناير المقبل، يُتوقّع أن تتشكل ملامح سردية جديدة؛ فآسيان لن تُرى خلاله كتكتل اقتصادي أو منصة سياسية فحسب، بل كفضاء اجتماعي تتقاطع فيه رؤى الشباب وتجاربهم بعيدًا عن اللغة الجافة للخطابات الرسمية. ويعزّز هذا الاتجاه ما أشار إليه بحث صادر عن كلية هارفارد للأعمال بعنوان : كيف تُسهم الشبكات المتعدّدة الثقافات في تعزيز الإبداع، والذي يوضح أن تنوّع الخلفيات الثقافية داخل أي مجموعة يوسّع زوايا الفهم ويُثري جودة الأفكار—من دون الحاجة إلى نسب رقمية ثابتة.
وبناءً على هذا الفهم، يُتوقّع أن يحمل المشاركون معهم رؤى مستمدة من واقع دولهم المختلفة: رؤى حول تغيّر المناخ والفيضانات، أو أخرى تتعلق بتمكين النساء وتقليص العنف، أو نماذج تقنية لإدارة النزاعات، أو مقاربات لفهم الذاكرة الجماعية بعد فترات الاضطراب. فكل شاب سيصل إلى ماليزيا وهو يحمل شطرًا من قصة بلده، وعندما تتجاور هذه الشظايا، ستظهر صورة أوسع لآسيان وأكثر صدقًا من خرائط السياسة.
وبذلك يُرتقب أن يتحول البرنامج إلى مساحة تتجاوز التدريب التقليدي، ليصبح تجربة لبناء شبكة علاقات جديدة داخل آسيان—شبكة قد تتطور لاحقًا إلى مبادرات بيئية مشتركة، أو برامج تعليمية عابرة للحدود، أو فرق وساطة محلية، أو حتى آليات إقليمية للإنذار المبكر من النزاعات. إنه مشروع يبدأ من الإنسان قبل المؤسسات، ومن اللقاء قبل التشريع.
آسيان تصنع مستقبلها بيد شبابها
ما سيشهده الإقليم في ماليزيا مع بداية يناير ليس فعالية بروتوكولية ولا لقاءً احتفاليًا عابرًا، بل إشارة واضحة إلى أن آسيان تدخل طورًا جديدًا تُعيد فيه توزيع أدوار صناعة السلام، فتنقل جزءًا من المسؤولية من المؤسسات إلى جيلها الشاب. ففي منطقة تتزاحم فيها الأزمات—من تغيّر المناخ إلى هشاشة الأمن، ومن الفقر البنيوي إلى موجات العنف—تتحول مهارات الوساطة والحوار والتعاطف من قيم أخلاقية إلى أدوات استراتيجية لا غنى عنها.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تمتلك آسيان القدرة على تحويل هذه المبادرة إلى نموذج إقليمي مستمر، لا إلى حدث معزول؟
إن تحقق ذلك، سيتبدّل شكل التعاون داخل المنطقة؛ فالدبلوماسية لن تُصاغ في القمم الكبرى فقط، بل داخل القاعات الصغيرة التي يجلس فيها الشباب، حيث تتقاطع القصص وتتولّد الأفكار. وحينها قد تصبح حلول آسيان نابعة من أبنائها قبل أن تُصاغ في محاضر لجانها الوزارية.







أضف تعليق