كيف نقرأ وظائف المستقبل؟ قراءة ذكية من تقرير البنك الدولي لصنّاع القرار والخريجين

د.صالح بن محمد خير الكعود، باحث وأكاديمي في تنمية الموارد البشرية:

لا يقدّم كتاب البنك الدولي Future Jobs: Robots, Artificial Intelligence, and Digital Platforms in East Asia and Pacific (2025) إجابات جاهزة بقدر ما يقدّم بوصلة استراتيجية لفهم التحولات العميقة في سوق العمل العالمي. فالتقرير لا ينطلق من سؤال “ما الوظائف التي ستختفي؟” بل من سؤال أكثر أهمية: من سيستفيد من التحول التكنولوجي، ومن سيتضرر، ولماذا؟ هذه القراءة تحاول تحويل نتائج التقرير إلى إشارات واضحة تساعد صناع السياسات، والباحثين عن عمل، والخريجين على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.

تشير بيانات البنك الدولي إلى أن التكنولوجيا الرقمية، بما فيها الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لم تؤدِّ حتى الآن إلى انخفاض إجمالي الوظائف، بل أسهمت في رفع الإنتاجية وخلق فرص جديدة، حيث تؤكد الدراسة أن مكاسب الإنتاجية والتوسع الاقتصادي فاقت التأثير السلبي للأتمتة في معظم دول شرق آسيا والمحيط الهادئ (World Bank, 2025). لكن هذه المكاسب لم تتوزع بعدالة، إذ استفاد منها أصحاب المهارات العالية بشكل أكبر، بينما واجه أصحاب المهارات الروتينية ضغوطًا متزايدة.

أحد الأرقام المفصلية في التقرير يتمثل في أن أجور العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات والوظائف التقنية ارتفعت بوتيرة أسرع من باقي القطاعات، رغم أنها كانت مرتفعة أصلًا، في حين بقيت الأجور راكدة نسبيًا في الوظائف الروتينية والإدارية البسيطة (World Bank, 2025, Figure 1.13). هذا الفارق يحمل رسالة مباشرة لطالبي العمل: المستقبل لا يكافئ المسمّى الوظيفي، بل طبيعة المهارة.

ويبيّن التقرير أن نحو ثلث القوى العاملة فقط في المنطقة تمتلك مؤهلًا جامعيًا، ومع ذلك لا تزال فجوة المهارات قائمة بسبب ضعف التركيز على المهارات الرقمية والمهارات الاجتماعية في التعليم التقليدي. فالمشكلة ليست في عدد الخريجين، بل في ملاءمة ما يتعلمونه لما يطلبه السوق (World Bank, 2025). هذه النقطة بالغة الأهمية لصنّاع السياسات التعليمية، إذ تشير بوضوح إلى أن توسيع التعليم دون تحسين جودته لن يحل أزمة الوظائف.

أما فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، فيؤكد الكتاب أن الوظائف الأكثر تعرضًا للمخاطر هي تلك التي تعتمد على المهام الروتينية عالية التكرار، سواء كانت معرفية أو يدوية، بينما تقل المخاطر في الوظائف التي تتطلب التفاعل البشري، واتخاذ القرار، والإبداع، مثل التعليم، الصحة، والإدارة، والخدمات المهنية (World Bank, 2025). وهذا يغيّر جذريًا الطريقة التي ينبغي أن يختار بها الشباب مساراتهم المهنية.

ويلفت التقرير انتباه صناع القرار إلى التحول المتسارع نحو المنصات الرقمية والعمل الحر، حيث وفّرت هذه المنصات فرصًا جديدة للفئات المهمّشة، لكنها في الوقت نفسه خلقت تحديًا كبيرًا يتمثل في ضعف الحماية الاجتماعية. ويشير البنك الدولي إلى أن عددًا من الدول، مثل ماليزيا وكولومبيا والهند، بدأت تجارب ناجحة لتوسيع مظلة التأمينات الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد الرقمي، ما يعكس اتجاهًا عالميًا جديدًا في سياسات العمل (World Bank, 2025).

ومن الزوايا المهمة في التقرير تأكيده أن المهارات الاجتماعية والعاطفية لم تعد مهارات “ناعمة”  كما كان يُنظر إليها سابقًا، بل أصبحت مهارات استراتيجية تمنح الإنسان ميزة تنافسية أمام الآلة. فالتكنولوجيا تعزز الطلب على من يستطيع التعاون، والتواصل، والقيادة، لا على من يكتفي بتنفيذ التعليمات (World Bank, 2025). وهذه رسالة مباشرة للجامعات ومراكز التدريب لإعادة النظر في مناهجها.

بالنسبة للخريجين وطالبي العمل، يقدم التقرير قاعدة ذهبية: لا تختَر وظيفة، بل اختر مهارة قابلة للنمو. فالمسارات المهنية الأكثر استدامة هي تلك التي تبدأ بمهارات رقمية متوسطة يمكن تطويرها لاحقًا إلى مهارات متقدمة، سواء في التحليل، أو الإدارة، أو التكنولوجيا. أما الركون إلى وظائف منخفضة المهارة دون تطوير ذاتي، فهو خيار عالي المخاطر في عالم سريع التغير.

وفي المحصلة، لا يرى البنك الدولي مستقبل العمل كسيناريو كارثي، بل كفرصة مشروطة. فالدول التي تستثمر في المهارات، وتعيد تصميم أنظمة التعليم، وتطوّر سياسات حماية اجتماعية مرنة، ستكون الأقدر على تحويل الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية إلى رافعة تنموية لا إلى عبء اجتماعي. أما الأفراد، فإن مستقبلهم المهني لن يُحدده التخصص الجامعي فقط، بل قدرتهم على التعلم المستمر والتكيف الذكي مع التغيير.

(النهاية)

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.