كمبوديا: قتال الخمير ضد الخمير

نيانغ سوفيب، كاتب ومحلل جيوسياسي مقيم في بنوم بنه:

في أوقات التوترات الحدودية بين تايلاند وكمبوديا، يعلو صوت القومية. تُرفع الأعلام، تُلقى الخطب، ويُرسل الجنود إلى خطوط المواجهة. لكن خلف هذا الضجيج تكمن حقيقة هادئة، نادرًا ما يُتحدث عنها في بانكوك، لكنها محسوسة بعمق في سورين وسيساكيت وبوريرام.

كثير من الجنود القادمين من هذه المقاطعات التايلاندية ينتمون إلى عائلات تتحدث الخمير. يتشاركون اللغة والأصول والذاكرة الثقافية والدم الخميري مع الناس على الجانب الآخر من الحدود. قد تقسم الحدود الدول، لكنها لا تمحو التاريخ ولا روابط العائلة. يُطلب من هؤلاء الشبان أن يقاتلوا أناسًا يتشاركون معهم الدم الخميري، أو قد يكونون أقارب أو جيرانًا.

هذه ليست مسألة ولاء. جنود سورين وسيساكيت وبوريرام يؤدون خدمتهم بإخلاص. يرتدون الزي نفسه، وينفذون الأوامر نفسها، ويواجهون الأخطار نفسها التي يواجهها الجنود القادمون من بانكوك. ومع ذلك، عندما يسقطون، يظهر الفرق بوضوح.

عندما يُقتل جندي من العاصمة، تتابع الأمة المشهد. طائرات عسكرية، مراسم رسمية، وتغطية إعلامية تكرّم عودته. يتحول الموت إلى رمز وطني.

أما عندما يُقتل جندي من سورين أو سيساكيت أو بوريرام، فالحزن يكون صامتًا. العائلات تنعى في القرى. الجنازات متواضعة. والاعتراف محدود. التضحية حقيقية، لكن التقدير ليس متساويًا.

غالبًا ما يُستدرج الجنود الريفيون إلى الخدمة بدافع الضرورة لا الأيديولوجيا. الفقر وضيق الفرص يجعلان التجنيد أحد المسارات القليلة المستقرة. وعندما يندلع الصراع، تتحمل هذه المجتمعات الكلفة أولًا، تُرسل إلى خطوط النار، لكنها تُترك على هامش الذاكرة الوطنية.

أفراد من الجيش التايلاندي في مقاطعة سورين المحاذية لكمبوديا. (صورة: فيسبوك)

يُظهر التاريخ أن الناس العاديين نادرًا ما يصنعون الصراعات. الأجندات السياسية والسرديات القومية هي التي تشكّل المعركة. أبناء القرى والمزارعين هم من يدفعون الثمن الأعلى.

علينا أن نسأل: من المستفيد حين يقاتل الخميرُ الخميرَ؟ ليس العائلات. ولا الشبان الذين لا يعودون. الأجندات السياسية هي الرابح، والناس العاديون هم الخاسرون.

الدعوة إلى التأمل ليست خيانة. والمطالبة بكرامة متساوية ليست عدم ولاء. الاعتراف بإنسانيتنا المشتركة عبر الحدود يقوّي الأمة. تايلاند بلد متنوع، وقوته تكمن في احترام هذا التنوع. وإذا كانت الدولة تطالب الجميع بالتضحية، فعليها أن تكرّم الجميع على قدم المساواة، بغض النظر عن المقاطعة أو اللغة أو العِرق.

لا ينبغي التعامل مع أي جندي بوصفه قابلاً للاستبدال، ولا يجوز أن يكون حزن أي مجتمع غير مرئي. قبل أن يُطلب من الشبان في سورين وسيساكيت وبوريرام أن يقدّموا أرواحهم، يجب على الأمة أن تُثبت أن حياتهم، وموتهم، لهما القيمة نفسها تمامًا كغيرهم.

على هؤلاء الجنود أن يتوقفوا ويتأملوا قبل أن يُستَخدموا في خدمة الأجندات السياسية لبانكوك. يجب ألا يُساقوا إلى صراعات لا تفيد إلا سلطة بانكوك أو ثروتها أو طموحها، مع المخاطرة بأن يضيعوا في استراتيجية لا تخصهم.

(النهاية)

المصدر: مترجم من صحفية (بنوم بنه)

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.