من شاحنة في كوالالمبور إلى كابوس للعلامات الأمريكية: قصة أحمد للدجاج المقلي

كوالالمبور 21 ديسمبر: شهدت ماليزيا تحوّلًا جذريًا في سلوك المستهلكين، بعدما أدّت تداعيات الحرب في غزة إلى ولاء استهلاكي محلي غير مسبوق، انعكس مباشرة على خريطة المطاعم والمقاهي، حيث تراجعت سلاسل الوجبات السريعة والمقاهي الأمريكية المرتبطة بالدعم الغربي للاحتلال الإسرائيلي، مقابل صعود لافت للعلامات التجارية المحلية، وفي مقدمتها سلسلة (دجاج أحمد المقلي)، التي وسّعت حضورها في مناطق كانت تُعد تقليديًا معاقل لماكدونالدز.

ولم تعد المقاطعة في كوالالمبور مجرّد موقف سياسي عابر، بل تحوّلت إلى محرّك اقتصادي فعلي أعاد توجيه إنفاق المستهلكين نحو المنتج المحلي، في وقت بات فيه القرار الشرائي مرتبطًا بالاعتبارات الأخلاقية والسياسية، لا بالسعر والعادة فقط، ما منح العلامات الماليزية الناشئة فرصة تاريخية للنمو والانتشار.

وتعود خلفية هذا التحول إلى تصاعد الغضب الشعبي في ماليزيا إزاء الحرب في غزة، حيث يُنظر إلى القضية الفلسطينية بوصفها إحدى القضايا المركزية في الوعي السياسي والديني للمجتمع الماليزي، الأمر الذي جعل المقاطعة خيارًا جماعيًا مستدامًا لا يقتصر على فئة أو شريحة بعينها، بل يمتد إلى مختلف الطبقات العمرية والاجتماعية.

أحد فروع دجاج أحمد المقلي في كوالالمبور يعكس صعود العلامات المحلية بعد تراجع السلاسل الأمريكية (صورة: بريتا هاريان)

قصة ليلى سارة وزوجها محمد توفيق تُجسّد هذا التحوّل بوضوح، إذ أطلق الزوجان مشروع دجاج أحمد المقلي بعد اتخاذهما قرارًا بمنع أطفالهما من ارتياد ماكدونالدز تضامنًا مع غزة، قبل أن يتحوّل هذا القرار العائلي إلى مشروع تجاري متكامل.

وبدأت السلسلة بشاحنة طعام صغيرة، ثم توسّعت تدريجيًا لتضم اليوم 35 فرعًا داخل ماليزيا، مع خطة معلنة للوصول إلى 110 فروع بحلول نهاية عام 2026، في توسّع يُعد من الأسرع في قطاع الوجبات السريعة المحلي، مدفوعًا بإقبال متزايد من المستهلكين.

وتحقق السلسلة مبيعات شهرية تُقدّر بنحو 3 ملايين رينغيت ماليزي (نحو 730 ألف دولار أمريكي)، وهو رقم يعكس حجم الثقة التي منحها المستهلك الماليزي للمنتج المحلي، وقدرته على منافسة العلامات العالمية من حيث الجودة والانتشار.

ولم يقتصر التحول على قطاع الوجبات السريعة، بل امتد إلى سوق المقاهي، حيث أصبحت سلسلة زوس كوفي (ZUS Coffee) أكبر مورد للقهوة في ماليزيا من حيث عدد الفروع، متجاوزة ستاربكس، بعد أن رفعت شبكتها إلى أكثر من 700 فرع داخل البلاد.

واعتمدت زوس كوفي على نكهات محلية مثل جوز الهند وسكر النخيل، ما منحها ميزة تنافسية واضحة، وساعدها على التوسع إقليميًا إلى الفلبين وتايلاند وسنغافورة، مستفيدة من موجة متنامية في جنوب شرق آسيا تفضّل العلامات المحلية على السلاسل العالمية.

هذه الظاهرة لا تقتصر على ماليزيا وحدها، إذ سجّلت شركات تعبئة كوكاكولا تراجعًا في حصصها السوقية في تركيا وباكستان، بينما أغلقت سلسلة كنتاكي عشرات الفروع في إندونيسيا، في مؤشرات متزامنة على اتساع أثر المقاطعة في الدول ذات الغالبية المسلمة.

ورغم تأكيدات مشغلي ستاربكس في ماليزيا على قدرتهم على التعافي التدريجي، تُظهر الأرقام فجوة متزايدة بين السلوك الاستهلاكي الجديد والعلامات التقليدية، حيث بات المستهلك الماليزي يربط بين إنفاقه اليومي ومواقفه السياسية والأخلاقية.

ويرى محللون جيوسياسيون، أن هذا التغيير قد يكون طويل الأمد، إذ اعتاد المستهلكون على جودة البدائل المحلية، ما يجعل عودتهم إلى العلامات العالمية العريقة أكثر صعوبة حتى في حال استقرار الأوضاع السياسية.

(انتهى)

المصدر: ترست-تايمز

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.