كيف تختار مسارك المهني بذكاء في زمن الوظائف المتغيّرة؟

د.صالح بن محمد خير الكعود، باحث وأكاديمي في تنمية الموارد البشرية:

لم يعد اختيار المسار المهني قرارًا بسيطًا كما كان في السابق، حيث يختار الطالب تخصصًا جامعيًا ثم ينتقل تلقائيًا إلى وظيفة مستقرة. فالتغيرات المتسارعة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي أعادت تشكيل سوق العمل بصورة جذرية. يشير المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF, 2023) إلى أن 23% من الوظائف عالميًا ستتغير خلال خمس سنوات فقط، كما أن 44% من المهارات الأساسية المطلوبة اليوم ستصبح غير كافية في المدى القريب. في ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الأهم: كيف يختار الطالب أو الخريج مساره المهني بوعي بدل الوقوع في قرارات عشوائية؟ والإجابة تبدأ بالاعتماد على معايير واضحة لا على الحدس أو التقليد.

  1. المعيار الأول: اختر المهارة قبل المسمّى الوظيفي

أكبر خطأ يرتكبه الكثير من الخريجين هو البحث عن وظيفة “مطلوبة” بدل البحث عن مهارة “قابلة للنقل”. فالوظائف تتغير وتختفي، لكن المهارات تبقى وتتحول. تؤكد دراسات McKinsey Global Institute (2024) أن الأفراد الذين يمتلكون مهارات تحليلية ورقمية وتواصلية تمكنوا من الانتقال بين وظائف مختلفة دون خسارة كبيرة، بينما واجه أصحاب المهام الضيقة صعوبة في التكيف. على سبيل المثال، قد تختفي وظيفة “مدخل بيانات” التقليدية، لكن مهارة التعامل مع البيانات وتحليلها تفتح أبوابًا في مجالات متعددة مثل الإدارة، التسويق، أو تحليل الأعمال. لذلك، على الطالب أو الخريج أن يسأل نفسه: هل ما أتعلمه اليوم مهارة يمكن استخدامها في أكثر من قطاع؟ إذا كانت الإجابة نعم، فهذا مسار أكثر أمانًا في عالم متغير.

  • المعيار الثاني: قيّم درجة تعرّض المسار للأتمتة

ليس كل مسار مهني مهددًا بالقدر نفسه أمام الذكاء الاصطناعي والأتمتة. يوضح البنك الدولي (World Bank, 2025) أن الوظائف القائمة على المهام الروتينية المتكررة — سواء كانت يدوية أو مكتبية — هي الأكثر عرضة للاستبدال بالتكنولوجيا، بينما تقل المخاطر في الوظائف التي تتطلب التفاعل الإنساني، واتخاذ القرار، والحكم المهني. فوظيفة تعتمد على إدخال معلومات ثابتة أو تنفيذ إجراءات محددة يمكن أتمتتها بسهولة، بينما يصعب على الآلة أن تحل محل معلم، أو أخصائي موارد بشرية، أو مدير مشروع يتعامل مع البشر والظروف المتغيرة. المثال الواضح هنا هو الفرق بين محاسب ينفذ إدخالات متكررة، ومحاسب تحليلي يقدم استشارات مالية؛ الأول مهدد أكثر من الثاني. وبالتالي، اختيار مسار يقلّ اعتماده على التكرار يزيد من الأمان الوظيفي على المدى المتوسط.

  • المعيار الثالث: اختر مسارًا يسمح بالنمو والتطور التدريجي

المسار المهني الصحي لا يبدأ من وظيفة “عالية”، بل من وظيفة قابلة للتوسع. تشير بيانات LinkedIn Learning Report (2024) إلى أن المهنيين الذين يضيفون مهارة جديدة كل سنتين تقريبًا يتمتعون باستقرار وظيفي ودخل أعلى. المشكلة ليست في بدء مسار بسيط، بل في التوقف عنده. فبدء الخريج كمساعد إداري رقمي قد يكون خيارًا جيدًا إذا كان هذا الدور يقوده لاحقًا إلى إدارة العمليات أو تنسيق المشاريع، لكنه يصبح خطرًا إذا ظل حبيس المهام البسيطة لسنوات. لذلك، ينبغي على القارئ أن ينظر إلى المسار المهني كسلسلة مراحل: أين أبدأ؟ وإلى أين يمكن أن أصل بعد خمس سنوات؟ إذا لم يكن هناك جواب واضح، فالمسار بحاجة لإعادة نظر.

  • المعيار الرابع: اربط اختيارك باتجاهات السوق لا بالرغبة وحدها

الميول الشخصية مهمة، لكنها وحدها لا تكفي في عالم تحكمه التحولات الاقتصادية. تشير تقارير OECD (2023) وWEF (2023) إلى أن أسرع المسارات نموًا عالميًا ترتبط بالبيانات، والتكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والخدمات الإنسانية مثل التعليم والصحة. هذا لا يعني أن على الجميع دراسة البرمجة، بل يعني أن أي مسار مهني يجب أن يتقاطع جزئيًا مع هذه الاتجاهات. على سبيل المثال، من يفضل العمل في التعليم، يمكنه تعزيز مساره بمهارات التعليم الرقمي أو تحليل بيانات التعلم، بدل الاكتفاء بالنموذج التقليدي. القاعدة هنا بسيطة: كلما كان المسار منسجمًا مع اتجاه عالمي واضح، زادت فرص استدامته.

في عالم سريع التغير، لم يعد اختيار المسار المهني قرارًا عاطفيًا أو لحظة عابرة، بل عملية واعية قائمة على معايير واضحة. اختيار المهارة قبل الوظيفة، وتقليل التعرّض للأتمتة، وضمان قابلية النمو، والانسجام مع اتجاهات السوق، هي ركائز أي قرار مهني ذكي اليوم. من يفهم هذه المعايير مبكرًا لا يخشى تغيّر الوظائف، لأنه اختار ما هو أعمق منها: مسارًا مرنًا قادرًا على التكيّف مع المستقبل.

(انتهى)

أضف تعليق

ترست-تايمز هي بوابة إخبارية إلكترونية تصدر باللغة العربية، تُعنى برصد نبض دول منطقة جنوب شرق آسيا (آسيان) ونقله إلى العالم بثقة ووضوح. اختارت أن تجعل من الثقة اسمها ورسالتها، لتكون صوتًا ثابتًا في زمن تتشابك فيه الحقائق وتتسارع فيه الأحداث.